العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٤ - الخميس ١٩ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٠ محرّم ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

عن تجربتي

كنت قبل أيام ضيفا على منتدى لشباب الصحفيين، وكان مطلوب مني أن أتحدث عن تجربتي في المجال الإعلامي، وبكل أمانة ركزت في حديثي على السقطات المهنية التي ارتكبتها والتي كادت توقف مسيرتي الصحفية، ولم يكن ذلك من باب التواضع المُتكلف، بل لأنني مقتنع بأن التجارب الحياتية التي عليها القيمة هي تلك المتعلقة بالإخفاق والفشل والوسائل التي تم اتباعها لتدارك الأمر، ولكن رفع معنوياتي اثنان من الحضور قال أحدهما إنه يقرأ لي في «أخبار الخليج» بانتظام منذ نحو خمس عشرة سنة، بينما قال الثاني إنه اقتنى كتابين يضمان مقالاتي في عصر ما قبل الإنترنت.

ثم انهالت علي أسئلة كثيرة وكأنني فعلاً صاحب تجربة متميزة، ولولا أن رأسي كبير أصلاً لحسبت أنه أصيب بالاستسقاء من فرط الانتفاخ، وفجأة سألني ولد شقي: هل مارست الأدب؟ فسألته: وهل ما أكتبه قلة أدب؟ قال: نعم أحيانا!!!! ولكنني أقصد ما إذا كنت قد جربت كتابة القصة أو الرواية أو الشعر؟ 

قلّب سؤاله مواجعي، فقد كنت في المرحلة الجامعية أعاني من عقدة لأن نصف الطلاب كانوا شعراء، وقلة قليلة منهم كانت من فئة النقاد أو مسرحيين، وكتابة الشعر في تلك المرحلة كانت تستوجب وجود حبيبة، وعلى الرغم من أنني درست في جامعة مختلطة إلا أنني فشلت – كما اعترفت مرارا- في إقناع أي زميلة بأن تحبني ولو من باب البكش لتتفجر مواهبي الشعرية، وكنت وقتها أحفظ آلاف أبيات الشعر العربي وعشرات المقاطع من الشعر الإنجليزي، أي ان خميرة الشاعرية كانت في تقديري جاهزة عندي، ولكن الافتقار للالهام الذي هو الحب منع موهبتي الافتراضية من ان تتفتح، ولم يكن جائزًا في ذلك الأوان القفز فوق مرحلة الشعر للوصول إلى مرحلة القصة القصيرة.

وهكذا أصبحت حاقدًا على الشعراء، وانتهزت فرصة استفحال ظاهرة الشطط في مجاراة المدارس الغربية في الشعر لكتابة قصائد صعماء (عكس عصماء) ونشرها باسماء مستعارة، واستمتعت بتلك التجربة لأنه كلما أمعنت في الهذيان ورص الكلمات بلا ضابط أو رابط احتفى بها المشرفون على الصفحات والملاحق الأدبية: يا نار القطب المتجمد هبّي... لتطفئي جليد حبي... تبًّا لإشارات المرور.. تبًّا للجار والمجرور... صه يا ديك... دعني أشرب حامض النيتريك وأقود سيارة بلا بريك.

وكان الاستنجاد بالأساطير الأغريقية موضة في الشعر، فعمدت إلى استخدام مفردات أفرنجية لإضفاء عنصر العمق على قصائدي المزعومة، ومع مرور الوقت وتوالي نشر ما أكتبه كدت أصدق أني شاعر، وما منعني عن ذلك حياء أو حسن أدب، بل منعني أنني لم أكن أجد متعة إذا قرأت تلك الأشياء التي تحمل اسمي المستعار، إلى يومنا هذا.

لم أفكر قط في كتابة القصة لأنني بطبعي متمرد على القوالب، متحركة كانت أو جامدة، ولا أستطيع البقاء داخل أي إطار فني، وقد سئلت عشرات المرات عما إذا كنت أكتب زواياي المنفرجة والحادة وأنا تحت تأثير مادة مخدرة!! فأجيب بنعم، لأنني منذ أن وعيت الأشياء حولي وأنا أتعاطى أردأ أنواع المخدرات مكرهًا: الشعارات والأكاذيب والحيل البلاغية الإعلامية التي تلبس الباطل ثياب الحق!! أما المخدرات «الخفيفة» من حشيش وهيروين، فهي ليست بحمد الله كثيرة التفشي ببلادي، وعلى الرغم من أن مخدر البنقو ينبت عندنا في السودان كنبات طفيلي، إلا أنه محدود الانتشار، وكان لي معارف يتعاطون البنقو ولم أقطع شعرة معاوية التي تربطني بهم، ولكنني لا أطيق المقامرين، فشارب البنقو يضر نفسه وقد يرعوي بالنصح أو بكبوة، ولكن المقامر فاسد في نفسه مفسد لغيره وقد يخرب عدة بيوت في يوم واحد، وحكاية الرجل الذي خسر بيته وسيارته في ليلة واحدة ثم راهن بطفلته التي لم تبلغ العاشرة ليست من نسيج الخيال، والمؤسف أن القمار متفش في مجتمعاتنا ولا نحاربه بضراوة لأنه بعكس الخمر بلا رائحة وبعكس المخدرات لا يؤدي إلى نعنشة وفلتات لسان وزوغان عين.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news