العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أكراد سوريا لم يستوعبوا الدرس العراقي

كل الوقائع على الأرض في شمال شرق سوريا حيث تسيطر ما تعرف بــ«قوات سوريا الديمقراطية» ذات الأغلبية الكردية شبه المطلقة، هذه الوقائع تشير إلى أن أكراد سوريا يتجهون إلى تكرار نفس الخطأ الذي وقع فيه أشقاؤهم من الأكراد العراقيين، سواء تعلق الأمر بطموح الاستقلال عن الوطن الأم، سواء عن طريق تنظيم استفتاءات بذلك كما حدث في إقليم كردستان العراق أو من خلال الاعتماد على الوعود الخارجية، والأمريكية منها بالدرجة الأولى، وهي الوعود التي ركن إليها أكراد العراق ووضعوا جميع خياراتهم في سلتها، خاصة بعد أن فرضت الولايات المتحدة الأمريكية حصارا خانقا على العراق وأخرجت السلطة العراقية من إقليم شمال العراق، هي نفسها الوعود ومن نفس المصدر، تلك التي يتكئ عليها الآن الأكراد السوريون الذين يبدو أنهم لم يستوعبوا دروس أشقائهم العراقيين الذين دفعوا ثمن التفريط في السيادة الوطنية لصالح وعود لا تضع لهذه السيادة أي اعتبار، بل تعاديها أصلا.

الظروف الموضوعية التي شجعت أكراد العراق على الذهاب بعيدا من أجل تحقيق طموحاتهم التاريخية، وعلى رأسها الاستقلال التام وإقامة دولة كردستان في شمال العراق، هي نفسها الظروف التي يبدو أن أكراد سوريا يريدون الاستفادة منها من دون أن يضعوا في اعتبارهم الإخفاق الذي أصاب الطموحات التاريخية لأشقائهم العراقيين، فسوريا الآن تمر تقريبا بنفس الظروف السياسية التي كابدها العراق أثناء فترة الحصار الذي فرض على العراق بعد غزوه لدولة الكويت الشقيقة واستغلته الولايات المتحدة الأمريكية لإضعاف العراق عسكريا واقتصاديا، وهو نفس الوضع الذي تمر به سوريا حاليا حيث تعاني حصارا اقتصاديا وحربا داخلية تخوضها الجماعات الإرهابية المدعومة من الخارج والتي تسببت في إنهاك الجيش السوري الذي كان يعد واحدا من أقوى الجيوش العربية.

سوريا زجت في معمعة حرب داخلية طاحنة وقودها أبناء الشعب السوري الذين وقعوا ضحية موجات ما سمي «الربيع العربي» والتي كانت مدخلا لإشعال الفتنة الداخلية في سوريا وتمهيدا للزج بجحافل المجموعات الإرهابية من كل حدب وصوب في وقت تبنت فيه العديد من الدول الإقليمية والقوى الدولية عملية تمويل وتسليح هذه الجماعات الأمر الذي أدى إلى خروج مناطق شاسعة من سوريا من تحت سيطرة الحكومة المركزية في دمشق ومن هذه المناطق شمال شرق سوريا حيث الأكراد السوريون يشكلون الأغلبية السكانية إلى جانب المواطنين العرب السوريين.

هذه الأوضاع السياسية والأمنية والدعم الخارجي والحماية التي توفرها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال وجودها العسكري اللامشروع فوق أجزاء من الأراضي السورية، شجعت أكراد سوريا على إقامة إدارتهم الذاتية المستقلة تماما عن الحكومة المركزية في دمشق، الأمر الذي اعتبرته الحكومة السورية وقوى إقليمية مختلفة، مثل تركيا على سبيل المثال، أنها خطوات انفصالية من جانب الأكراد السوريين، كما حدث تماما مع أكراد العراق حين انتقلوا من مشروع الحكم الذاتي إلى مشروع الانفصال التام وإقامة دولتهم المستقلة من خلال الاستفتاء الذي تم تنظيمه في الإقليم في شهر سبتمبر من عام 2017 والذي أجهضت نتائجه الحكومة العراقية وبدعم قوي من جانب كل من تركيا وإيران المتضررتين مباشرة من هذه النتائج؛ أي الانفصال.

ما واجهه أكراد العراق من رفض وتصدٍ من جانب الحكومة العراقية وبدعم من دول الجوار، يمكن أن يتكرر بالنسبة إلى أكراد سوريا، صحيح أن الحكومة السورية ليست في وضع قوي يمكنها من إحباط المشروع الكردي السوري غير المعلنة تفاصيله الدقيقة، ولكن ولحسن حظها، فإن جارها وخصمها اللدود والقوي؛ أي تركيا، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسمح لأكراد سوريا بتكرار السيناريو الكردي العراقي، لأنها باختصار ستكون المتضرر الأكبر من ذلك حيث يشكل الأكراد الأتراك جزءا كبيرا من المجتمع التركي ولديهم صراع تاريخي مع الحكومة التركية.

تركيا ومعها إيران أيضا، لم ترفضا نتائج استفتاء إقليم كردستان العراق حرصا منهما على سلامة ووحدة الأراضي العراقية، وإنما لدوافع ذاتية خالصة حيث إن هذه النتائج تهدد أمن الدولتين الوطني، والأمر نفسه سوف يتكرر مع خطط أكراد سوريا، فتركيا التي تشارك في عملية تدمير أركان الدولة السورية من خلال دعمها وتسهيلها لتدفق مختلف الجماعات الإرهابية إلى داخل الأراضي السورية، تركيا الآن تقود عملية التصدي لمشروع أكراد سوريا، حرصا منها على أمنها القومي، وليس المصلحة الوطنية السورية.

الحديث عن الطموحات الكردية في الدول التي يشكلون فيها مكونا أساسيا من المكونات السكانية، ليس له علاقة بحقوق المواطنة التي من حقهم التمتع بها في أوطانهم كغيرهم من جميع المكونات السكانية، فهذه حقوق يجب عدم تعريضها لأي شكل من أشكال الانتهاك أو التهديد، والحقيقة أن الأكراد في الدول التي يعيشون فيها لا يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، لكن ذلك يجب بأي حال من الأحوال ألا يكون سببا لأي تحرك انفصالي في أي من الدول التي ينتمون إليها، بل من حقهم أن يناضلوا ويطالبوا بحقوق المواطنة الكاملة أسوة بأشقائهم من المكونات العرقية الأخرى، فهذه مطالب مشروعة بل يجب دعمها وتأييدها، وهذا ما يجب أن تفهمه القيادات الكردية وأن تتحرر من وهم الاستقلال التام لأنها لن تحظى بأي تأييد لما يشكل ذلك من تهديد للدول التي ينتمون إليها.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news