العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

الثقافي

قضايا ثقافية.. نبضات قروية

السبت ١٨ مايو ٢٠١٩ - 10:33

لم أعرف إلاَّ أخبارًا قليلة عن الشاعرين الشعبيين إسماعيل عبدعلي والمرحوم حبيب منصور اللذين ارتبطا بعلاقات شعرية وثيقة كان من آثارها الكتاب الذي نتحدث عنه اليوم وهو «نبضات قروية» مساجلة في الموَّال والأبوذية الصادر عام 1997 وفيه مقدمة مؤلمة تنزف شوقًا عن رحيل نصف الشاعر إسماعيل عبدعلي الذي ترك هذا الإنتاج الشعري والذي يُعد هو الأول من نوعه بين كل النتاجات الشعرية لأنه جمع بين شاعرين نجحا في تقديم آهاتهما على الورق وما ينتابهما من حزن عميق وتمسك قوي بجذور الحياة.

وحين تطَّلع على المقدمة تشعر بمدى الألم الشديد الذي انتاب الشاعر إسماعيل عبدعلي وكأنه يناجي حبيبته الغائبة عن أنظاره وقد رحل بلا وداع وهو يقول: «أجدني حائرًا بين رفض قلمي لرثائك ومشاعري تجاهك وفي زحمة الحيرة والغبرة ألمح أحرفًا تجلت فيها العبرة (فؤادك بالصبر يا صاح مرنه) عندها أيقنت بأنك ترفض الرثاء كذلك.لم لا!.

أما كيف تم إنتاج هذا الكتاب وما يحويه من نبضات فهو يعود إلى الشاعرين فالأول نقش وجدانه وغادر الحياة والثاني أحياها بالمساجلات والتي تمطر حزنًا وتثمر فرحًا ما بين السطور والخلود هو الذي يحدد مقاييس الجمال على أرض الحياة.

إننا كقراء لم نتأخر عن استيعاب هذا الفن الشعري بل على العكس غزا قلوبنا وكهرب وجداننا وبما إنني كاتب لهذا المقال أقول إنني التقيت بالشاعرين في عدة مناسبات واليوم أتطلع إلى أن أُحييها بشيء من الكلمات التي قد تسهم في إحياء هذا الفن الذي افتقدناه وكان يشكل للشاعرين محطة شعرية تتفجر منها الرعود ومياه الغيوم التي تزرع الأرض حبًا واخضرارًا وحياة.

في الإهداء سبعة من السطور الجميلة باللغة العربية الفصيحة كتبها الشاعران تكشف لنا عن قدراتهما في التكيف مع صور ومفردات اللغة وتطويعها كي تصل بكل عمق وسلاسة إلى كل الأذهان والقلوب.

«أيها القارئ عفوًا

نبضنا بين يديك

قد تساجلناه شعرًا

وهو إهداءٌ إليك

ولذا نأمل ألاَّ

نثقلَ العبءَ عليك».

لن أغوص في المساجلات إلى أعماقها وهو أمر قد يثقل على القارئ الأدبي الذي يعشق مثل هذا النوع من الفن ومن ثم فما تطرقت إليه هو تحفيز للجميع من أجل التوسع في الإطلاع لأن تعاطي مثل هذا الفن قليل في أيامنا لكنه متداول بكثرة فوق أرض الرافدين والتلميح أفضل من التصريح والفن المتميز والجميل لا يولد إلاَّ بالتجربة والمعاناة وهو الذي جعل من هذه المساجلات قيمة تاريخية في حياتنا الثقافية والأدبية.

قال المرحوم الشاعر حبيب منصور:

«دنيا تمنْ بالعطا ملَّيت من منها

فوقي وتحتي لظى وين التجي منها؟

دربي طويل وأنا ما شوف ليه منهى

دنياي قولي الصدق منهو على حالك

خليتي صبحي دجى دون البشر حالك

كلمن لقاني سأل بشرني عن حالك

قلت المآسي انفطر قلبي ترى منها».

بالبساطة الرائعة مع الموال السابق وهو من المباني الدارجة في الشعر المتداول في فترة سابقة من حياتنا الثقافية وهو جزء من لغة الأجداد الذين أورثوها لأجيالهم يرد الشاعر إسماعيل عبدعلي بالموال التالي:

دورات دنيا الكدر ما لك مفر منها

تعطيك لحظة فرح وتعاني مر منها

لكنه درب الحياة لا بد له منهى

معلوم ليل الدجى بْغير البدر حالك

ما تختلف حالتي يا صاح عن حالك

من عدَّى مر دنيته؟ لا تقول من حالك

ما غير رب السما لك ملتجى منها».

ما سبق نوع من المواويل الجميلة وفي جعبة الشاعرين شيء من فن آخر يعتمد على بناء أربعة اسطر الثلاثة الأول تحت بناء ثابت واحد والرابع يكون خلاصة ذلك المبنى وله القواعد الأساسية في فن (الأبوذية).

قال الشاعر إسماعيل عبدعلي:

«عذابات الشقا يا صاح مُرة

على الخاطر هنا ما يوم مرَّة

و لاينلام دام الزمن مرة

وما يخفاك ما بي من أذية».

ونستشهد بالأبوذية الجوابية للشاعر المرحوم حبيب منصور التي قال فيها:

«مشيناه الشقا وذقناه مُرَّه

تجلد بالصبر يا صاح مره

تمر به الناس مثل الناس مره

طريقك واجعل اعزومك قوية».

وحتى لا ينقرض منا هذا الفن علينا أن نواصل التحقيق في منابته وجذوره ولا نتركه عرضة للرياح التي تثير الغبار وتخنقه من التنفس الطبيعي.

وفوق كل ذي علم عليم.

Sah.33883@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news