العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

من مفكرة سفير عربي في اليابان دمقرطة الصحة

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١٨ مايو ٢٠١٩ - 01:15

لقد صدر مؤخرا تشريع صادق عليه جلالة ملك مملكة البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة -حفظه الله ورعاه- بأن يكون وزير الصحة مسؤولا عن الضمان الصحي، وبذلك أكملت التشريعات المتعلقة بالضمان الصحي في مملكة البحرين. ومن المقرر بدء تنفيذ هذه التشريعات خلال هذه السنة وتكملتها على ارض الواقع خلال السنوات القليلة القادمة، وقد كان لي شرف الاطلاع عليها ودراستها، وقد أثلج صدري حينما وجدت هذه التشريعات هي أحد أهم الإصلاحات الديمقراطية في شبكة الضمانات الاجتماعية للمواطن التي تحققها مملكة البحرين في عهد الإصلاحات الديمقراطية المجيد. ولا شك أن توفير الرعاية الصحية الشاملة لكل مواطن أو مقيم أو زائر لمملكة البحرين هي خطوة مهمة في تكملة التحولات الديمقراطية، بل خطوة حقيقية في دمقرطة الصحة، إذ تكون الدولة مسؤولة عن توفير الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية، ولكن من خلال هيئة ضمان صحي حكومي، وبحيث تقدم الرعاية الصحية من خلال مؤسسات صحية حكومية وذات استقلال ذاتي، أو من خلال مؤسسات صحية خاصة معترف بها رسميا. وطبعا ستؤدي هذه التطورات الى أن يكون المواطن هو المشرف على مدى كفاءة الخدمات الصحية، إذ سيكون المسؤول عن المؤسسة الطبية التي سيختارها لعلاجه، مما سيؤدي الى خلق منافسة مهنية منضبطة بين المؤسسات الصحية، وستؤدي المنافسة الى رفع مستويات خدماتها، في الوقت الذي تنظم الدولة وتراقب وتحاسب نوعية الخدمات ومدى كفاءتها، ليس فقط صحيا بل أيضا ماليا. وليسمح لي عزيزي القارئ بعرض والاستفادة من التجربة اليابانية في دمقرطة الرعاية الصحية. 

لقد استفادت اليابان من مآسي خلافاتها وحروبها، ووعت بعد معاناة طويلة أن التطور الاقتصادي يحتاج الى الأمان الداخلي والسلام الخارجي، وأن الأمان الداخلي يتحقق بحرية التعبير وديمقراطية السلطات، كما يحتاج السلام الخارجي الى احترام حقوق الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والعمل المتناغم معها من خلال الأمم المتحدة. وقد نجحت اليابان بتقدم شعبها في العمل على مسارين مرتبطين بالمواطن والاقتصاد، فوفرت للمواطن حاجياته الفسيولوجية والمادية المتمثلة بالغذاء والجنس (بالزواج) والمسكن، وضمان الصحة والتعليم والتعطل والتقاعد. ووفرت حاجياته النفسية المتمثلة بالأمان، وبالعمل المنتج الذي من خلاله يبدع المواطن، ويخدم الآخرين، ويشبع حاجيات الأنا العليا النفسية والروحية. كما طورت اقتصادها بالتكنولوجيا الحديثة، وربطت نجاحها الاقتصادي بسعادة شعبها. وربطت اليابان تطور مجتمعها وسعادته بصحة المواطنين، ولذلك اهتمت بالرعاية الصحية، وآمنت بأن العقل السليم في الجسم السليم، وبأن تكنولوجيا الإبداع المرتبطة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية تحتاج الى هذا العقل المبدع. وعمل شعب اليابان مع حكومته لتوفير رعاية صحية متميزة. فاهتم شعبها بالوقاية، وعملت الدولة على توفير الرعاية الصحية المتطورة تكنولوجيا. كما خلقت اليابان تناغما جميلا بين القوى الفاعلة في الرعاية الصحية، الممثلة بالمواطن من جهة، والقوى الصحية العاملة وشركات صناعة الأجهزة والأدوية من جهة أخرى، وتتوسطهما سلطات التنفيذ وبنود القوانين ونشاطات البرلمان والقضاء الصارم. 

وقد أدى نجاح اليابان في تجربتها الصحية الى ارتفاع متوسط عمر الفرد الى الرابعة والثمانين، لتبلغ السابعة والثمانين بين النساء والحادية والثمانين بين الرجال، والى انخفاض وفيات الأطفال الرضع الى أقل من اثنين لكل ألف من الولادات الحية. وبالرغم من الكفاءة العالية لنتائج الرعاية الصحية في اليابان، فإنها تصرف أقل من نصف ما تصرفه الولايات المتحدة، إذ استطاعت أن تحافظ على انخفاض كلفة الرعاية الصحية الشاملة للفرد إلى أقل من خمسة آلاف دولار للفرد سنويا، بينما تصرف الولايات أكثر من عشرة آلاف دولار للفرد. والسؤال عزيزي القارئ: كيف استطاعت اليابان أن تحقق هذه المعجزة مع أن حوالي ثلث شعبها يتجاوز الخامسة والستين؟ ومن المعروف أن كلفة الرعاية الصحية لهذه الفئة العمرية ترتفع الى ثلاثة أضعاف متوسط الكلفة؟! 

لقد حاولت اليابان أن تستفيد من تجارب دول العالم في تطوير خدماتها الصحية، فقد طورت تكنولوجيتها الطبية بالاستفادة من خبرات الولايات المتحدة، كما استفادت من التجربة البريطانية في الرعاية الوقائية، وحسنت رعايتها العلاجية بدمج الخبرات الألمانية مع الطب التقليدي الذي أخذته من الصين في القرن السادس. واعتمدت فلسفتها الصحية على مبدأ ديمقراطية الرعاية الصحية، والممثلة بأهمية دور المواطن في التخطيط والوقاية وأخلاقيات الانضباط في الاستفادة من الرعاية الصحية، وباهتمام الدولة بتوفير الرعاية الصحية الشاملة والعادلة لكل مواطن، وبحرية اختيار المواطن طبيبه ومركز علاجه، بالإضافة إلى التعاون بين الشعب والدولة لتوفير المال اللازم لتمويل الضمان الصحي الوطني لجميع المواطنين. كما نظمت الحكومة مسؤوليتها في الرعاية الصحية بتنفيذ الأنظمة والقوانين، وحافظ القضاء على صرامة المحاسبة للمخالفين والمخطئين، ولعب البرلمان دورا مهما في وضع التشريعات اللازمة لتنظيم الرعاية الصحية، كما حولت مسؤولية توفير الرعاية الصحية الى المتخصصين في المراكز العلاجية المختلفة. والجدير بالذكر أن مبدأ الرعاية الصحية في اليابان لا يعتمد على ربحية السوق، بل تقرر الدولة أسعار الخدمات والأدوية بالتعاون مع المؤسسات الأخرى.

وقد لازمت اليابان الاهتمام بالوقاية مع توفير الرعاية العلاجية، فطورت الثقافة الصحية المدرسية، واهتمت بتوفير الغذاء الصحي في الأسواق والمطاعم، وحافظت على الثقافة التقليدية بقلة الأكل وغنى محتوياته، ووفرت الفرص اللازمة لممارسة الرياضة المباشرة وغير المباشرة. وتقدم المنشآت الصحية والطبية الرعاية اللازمة وتحافظ على أخلاقيتها، واستقلاليتها عن الدولة، وتتسلم كلفة العلاج من مشاركات الضمان الصحي. وتغطي مصاريف الرعاية الصحية من خلال الضمان الصحي الوطني أو الضمان الصحي المرتبط بالعمل. ويجبر القانون الياباني جميع المواطنين على المشاركة في الضمان الصحي الوطني، كما يجبر الشركات وأرباب العمل على تغطية تكاليف الضمان الصحي للعمال والموظفين. وقد استطاعت اليابان بهذه السياسات أن ترضي المواطن والأطباء والمستشفيات والشركات التجارية، كما تخلصت الحكومة من مسؤولية إدارة الخدمات الصحية ومشاكلها المعقدة، وأوجدت البيئة التنافسية لتوفير الخدمات الطبية المتميزة، مع أنها وحدت وحددت أسعار كلفة العلاجات الطبية والأدوية والتشخيصات المختبرية والشعاعية، مما شجع المؤسسات العلاجية للعمل بجدّ لتوفير الخدمات المتميزة بأسعار منافسة.

وقد أصبحت اليابان رائدة في الاهتمام بالوقاية الصحية، كما آمنت الدولة بأن مواطنيها هم الاستثمار الأكبر، وبأن الاستثمار في الصحة هو أفضل استثمار اقتصادي. والمعروف أن المورد الطبيعي لليابان هو الإنسان، وتعتمد على إنتاجيته وإبداعاته لتطوير تكنولوجيتها واقتصادها. كما زرعت اليابان الطب الحديث في جسم الطب التقليدي الصيني، والذي يعتمد على نظرية الالتئام الطبيعي للجسم مع مساعدة هذا الالتئام بالأعشاب الطبيعية، وتجنب التدخل الدوائي أو الجراحي إلا في الحالات القصوى. وهناك مراكز جامعية متخصصة في العلاجات الصينية التقليدية كالأعشاب والإبر الصينية. وتتميز الرعاية الصحية في اليابان بكثرة استعمال التكنولوجيا التشخيصية غير الجراحية، وبقلة التدخل العلاجي الجراحي. فمثلا تقدر نسب العمليات القيصرية التي تجرى في اليابان بنصف ما يجرى بالولايات المتحدة. كما تتميز الرعاية الصحية في اليابان بقلة دخول المستشفيات والاعتماد على عياداتها الخارجية. وتقدر نسبة الوفيات السنوية بـ9.8 لكل ألف من السكان، والسبب الرئيسي للوفاة هو السرطان يليه أمراض القلب والشرايين. وتنخفض نسبة البدانة الى 3.7%، بينما ترتفع نسبة التدخين إلى 18% وهي قريبة من الدول المتقدمة، كما أن بها أعلى نسبة أسرّة للفرد، لتصل إلى 13 سريرا لكل ألف، وأعلى متوسط البقاء في المستشفى ليصل إلى 16 يوما، وهي الأعلى بالضعف بين الدول المتقدمة، بينما متوسط مدة زيارة المريض للطبيب هي 6.9 دقائق، وهي مدة قصيرة بالمقارنة مع الدول المتقدمة. وهناك أسباب عديدة لانخفاض مدة الزيارة، منها التنظيم الدقيق للوقت، ولاستعمال التكنولوجيا في إدارة العيادات، وانخفاض نسبة الأطباء. فمن المعروف عن المريض الياباني احترامه للوقت وقلة كلامه وإحساسه بمسؤولية عدم إضاعة وقت الطبيب. كما يدرس المريض كل ما يتعلق بمرضه قبل زيارة الطبيب، وذلك بسبب توافر تكنولوجيا الانترنت والمعلومات الطبية باللغة اليابانية. وتعتبر اليابان أعلى الدول في العالم في نسب توافر الأجهزة التكنولوجية التشخيصية والعلاجية. 

وباختصار مفيد، فإن إحساس المواطن الياباني بمسؤوليته الوطنية هو السبب الرئيسي لتميز التجربة الصحية اليابانية.. فيحافظ المواطن على صحته بالغذاء المتوازن والنشاط المستمر. وحينما يزور الطبيب يكون جاهزا بخلفية معلوماتية جمعها من الانترنت، لتكون استفساراته دقيقة محددة ومختصرة. كما يستطيع المواطن التعامل مع كثير من مشاكله الطبية بالتزام دقيق، وبمساعدة ممرضة المجتمع، وبدون الحاجة الى دخول المستشفى. والخدمات العلاجية اليابانية متطورة جدا تكنولوجيا، فيد الطبيب هي الكمبيوتر والالتراساوند، وشرحه محدد ودقيق، ويتجنب مناقشة التشخيص قبل أن تكمل جميع الفحوص اللازمة، ويتجنب صرف دواء أو إجراء عملية إلا بعد أن يستنفد جميع الوسائل الأخرى في الرعاية الصحية. ولنا لقاء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news