العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٥ - الجمعة ٢٠ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«يورو فيجن» في خدمة «إسرائيل»

بالنسبة إلى قادة السياسية في «إسرائيل»، فإن تنظيم مسابقة مهرجان الأغنية الأوروبية «يورو فيجين» في دولة الاحتلال والمقرر أن يقام حفلها الختامي اليوم السبت الموافق 18 مايو، واحتضان هذه المسابقة الدولية ذات الصيت الواسع يعد في حد ذاته مكسبا سياسيا كبيرا، وهو المكسب الأهم بالنسبة إلى قادة «إسرائيل» من دون أي التفات منهم للجانب الفني الخاص بهذه المسابقة، فهذه المناسبة مثلت بالنسبة لمهندسي ومخططي السياسة في «إسرائيل» مناسبة لا تقدر بثمن من أجل استغلال الدعاية الإعلامية والسياسية «الإسرائيلية» هذه المناسبة للترويج لسياسة التهويد والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال الدعايات الإعلانية لهذا المهرجان الغنائي الفني, إذ تتعمد هذه الدعايات الإعلانية طمس حقائق الوضع الجغرافي والسياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة، وخاصة مدينة القدس, إذ تم تصوير العديد من المواد الترويجية في المدينة بما يخدم الدعاية السياسية «الإسرائيلية» الخاصة بالوضع السياسي والتاريخي للقدس المحتلة.

الشعب الفلسطيني الذي يكابد ويلات الاحتلال «الإسرائيلي» ويسعى وحيدا من أجل التصدي لمختلف المزاعم والتحركات التي يقوم بها الاحتلال لتحقيق مختلف أهدافه السياسية وباستخدام كافة الوسائل والأساليب الممكنة من دون الاعتماد فقط على الآلة العسكرية الجبارة التي بحوزته، وتزامنا مع فعاليات هذا المهرجان الغنائي الفني الأوروبي، أقامت مجموعة فنية فلسطينية في قطاع غزة المدمر (المجموعة تسمى «جسور للتواصل الدولي») حفلا غنائيا احتجاجا على هذا المهرجان، لكن الأهم في هذه الفعالية الفنية الفلسطينية ليس في الحفل وتزامنه، وإنما في اختيار المكان الذي احتضن هذه الفعالية الفنية ألا وهو أنقاض برج سكني دمرته الطائرات «الإسرائيلية» في عدوانها الأخير على قطاع غزة وشردت عشرات العائلات في العراء دون مأوى.

فكرة الغناء على الأنقاض لها أكثر من هدف ومغزى بالنسبة إلى منظمي هذه الحفلة، فمن ناحية، أراد منظموها أن يلفتوا انتباه منظمي مهرجان «يورو فيجن» الى مسرح الجريمة «الإسرائيلية» التي تسببت في تشريد عشرات العائلات الفلسطينية من مآويها حين دمرت طائرات الجيش «الإسرائيلي» العمارة التي يقطنون في شققها، ومن الناحية الأخرى، فإن الاحتفال على الأنقاض يأتي ردا ناجعا على الاستغلال «الإسرائيلي» لرسالة الفن من أجل خدمة الأهداف السياسية للكيان الصهيوني ومساعيه المتواصلة من أجل التعتيم بشتى الطرق والوسائل على الحقوق التاريخية المشروعة للشعب الفلسطيني والوضع القانوني والسياسي للأراضي الفلسطينية المحتلة، والقضية الفلسطينية بشكل عام، وحقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس المحتلة.

السلطة الوطنية الفلسطينية من ناحيتها لم تفوّت فرصة انعقاد هذا التجمع الفني الأوروبي والعالمي في فلسطين المحتلة للتذكير بالسياسة العدوانية الملتصقة بتاريخ «إسرائيل» على مدى ما يربو على السبعة عقود منذ إنشائها، وفي الوقت نفسه التصدي للاستغلال «الإسرائيلي» لهذا الحدث الفني لخدمة الدعاية الاستعمارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد وجهت وزارة الخارجية الفلسطينية رسالة إلى اتحاد الإذاعات الأوروبية دعته فيها إلى سحب أي مواد ترويجية للمسابقة التي تم تصويرها في مدينة القدس المحتلة، احتراماً لحقوق الشعب الفلسطيني، وقواعد القانون الدولي، بحسب ما جاء في مضمون الرسالة الفلسطينية، ولفتت الرسالة انتباه القائمين على تنظيم هذه المسابقة إلى أن «إسرائيل» تستغلها للدعاية السياسية من خلال «بث مواد ترويجية تلغي وجود دولة فلسطين من الخريطة المستخدمة كشعار للمسابقة».

«إسرائيل» التي ولدت نتيجة عملية مختبرية استعمارية ومن ثم ترعرعت على الفكر الاستئصالي والعنصري الذي تؤكده مختلف الوثائق التاريخية التي صدرت عن الدعاة والقادة التاريخيين للحركة الصهيونية العالمية، حتى قبل قيام «إسرائيل» على أرض فلسطين عام 1948، هذه الطبيعة الأيديولوجية العقدية لـ«إسرائيل» تجعل من الاستحالة بمكان أن تحترم الوجه الحقيقي الجميل لكافة أشكال الفن، فالسياسة «الإسرائيلية» بوجهها الاستعماري العنصري تندس في عروق وشرايين جميع أشكال هذه الفنون والعمل على استغلالها لخدمة مآرب ومقاصد وأهداف هذه السياسة الاستعمارية «الإسرائيلية».

فالآلة الدعائية «الإسرائيلية» لها باع طويل، بل مهارة عالية في إتقان استغلال مختلف المناسبات وتسخيرها لخدمة السياسة «الإسرائيلية» وأهداف المشروع التاريخي للحركة الصهيونية العالمية، فالجميع يعلم كيف تستغل «إسرائيل» الجرائم البشعة التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، -بالمناسبة ليس اليهود وحدهم هم الذين عانوا ويلات الجرائم التي اقترفها الجيش الألماني خلال تلك الحرب- بل استطاعت هذه الآلة الدعاية تسويق وتثبيت أكذوبة «العرق السامي» وأن «إسرائيل» تعيش وسط محيط من «الأعداء» وهي «مهددة بالزوال من قبلهم» إلى غير ذلك من الأكاذيب الدعائية التي تخدم السياسة «الإسرائيلية».

من المؤكد، بحكم الخبرة والتجربة، أن هذه الآلة الدعائية ما كانت لتفوت فرصة وجود تجمع عالمي كبير ومعروف مثل مسابقة «يورو فيجن» أن تمر من دون الحصول على مردود سياسي من ورائه، فهذه الآلة الدعائية لا يمكن أن تترك المهرجان يأخذ مجراه الفني والغنائي فقط، لأن مثل هذه الفرصة قد لا تتكرر مرة أخرى، كما أن دس السموم السياسية وتمريرها عبر الشرايين الفنية من خلال مثل هذه المهرجانات عادة ما يكون أسهل وأفضل من غيرها، وبالنسبة إلى القادة في «إسرائيل», فإن الغاية تبرر الوسيلة.

الحقيقة التي يجب علينا الاعتراف بها هي أن «إسرائيل» حققت إنجازات كبيرة وكثيرة ونجاحات عملية في كيفية تسخير الأحداث والفعاليات المختلفة لخدمة مشاريعها السياسية وخلقت من أجل ذلك آلة دعائية متطورة استطاعت أن تتغلغل بأذرعها في أكثر من اتجاه، الأمر الذي ساعد ومكن «إسرائيل» من أن تتحول إلى لاعب مؤثر وقوي في محيطها، رغم أنهار الدماء البريئة التي سفكتها على مدى أكثر من سبعين عاما منذ إنشائها حتى اليوم.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news