العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

اكتبوا خصوماتكم على الرمل

ظل الصديقان تائهين في الصحراء يومين كاملين، حتى بلغ بهما التعب واليأس مبلغا شديدا، وكما يحدث في مثل هذه المواقف فقد احتد الجدال بينهما حول أفضل الطرق للوصول إلى حيث الأمان والماء والطعام، فقد أحدهما أعصابه وصفع أحدهما الآخر، ولم يرد المجني عليه الصفعة بل جلس في هدوء وكتب على الرمل: تجادلت اليوم مع صديقي ورفيق رحلتي حول أي طريق نسلك لنصل الى بر الأمان، فصفعني على وجهي، وبعدها واصلا السير إلى أن بلغا عينا من الماء الصافية فشربا منها حتى ارتويا، وتمددا قليلا على شطآن عين الماء، ثم نزلا ليستحما، ويغسلا الغبار العالق بجسميهما، ولكن الرجل الذي تلقى الصفعة، لم يكن يجيد الاستحمام، فانزلقت قدمه الى موقع عميق فأوشك على الغرق، فبادر الآخر الذي صفعه قبل ساعات إلى إنقاذه، وبعد أن استرد الموشك على الغرق، وهو نفسه الذي تلقى الصفعة، أنفاسه، أخرج من جيبه سكينا صغيرة ونقش على صخرة: اليوم أنقذ صديقي حياتي، هنا بادره الصديق الذي قام بالصفع والإنقاذ بالسؤال: لماذا كتبت صفعتي لك على الرمل، وإنقاذي لحياتك على الصخر؟ فكانت الإجابة: لأنني رأيت في الصفعة حدثاً عابرا وسجلتها على الرمل لتذروها الرياح بسرعة، أما إنقاذك لي فعمل كبير وأصيل، وسيبقى معي ما بقيت حيا، وأريد له أن يستعصي على المحو فكتبته على الصخر!!

أعجبتني هذه الحكاية التي قد تكون من نسج الخيال، وما أجمل الخيال المبدع عندما يحض على القيم والفضائل والمكارم، وقد أعجبتني هذه الحكاية لأنني لاحظت أن معظمنا يفجر في الخصومة حتى مع من نسميهم أصدقاء العمر، فتنقلب المودة إلى عداوة وبغضاء، وتحضرني هنا القطيعة بين الدكتور حسن الترابي وأركان حكم الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، بعد أن كانا فريقا واحدا ورتبا سويا الانقلاب الذي جعل من البشير رئيسا، في حين ظل الترابي عراب النظام الآمر الناهي بوصفه رئيس الحركة الإسلامية التي رتبت ونفذت الانقلاب، ولكن ما اختلف أن الطرفين حول مآلات الحكم، والانتقال به من ايدي العسكر الى ايدي المدنيين حتى بلغ الفجور في الخصومة بينهما دركا سحيقا من الابتذال وتم الزج بحسن الترابي في السجن عدة مرات.

ويبدو أن بعضنا أخذ عن البعير الرغبة في الثأر والانتقام الى كل فعل مهما كان تافها، ومعظمنا لا يفوت للصديق هفوة أو زلة، مع أن الصحيح هو أن نقبل بالأصدقاء على علاتهم، مدركين أنهم -مثلنا- ليسوا كاملين، بل إنك تجد زوجة دائمة اللجوء إلى بيت أبيها لأن زوجها يقول عنها ملاحظات سخيفة أو سمجة، ولو طنشت وصهينت لكف الزوج عن ترديدها بحسبان أنها لم تعد تستفزها (خلال عملي في الخرطوم أبلغني صديق بأنه لم يكن موفقا في اختيار زوجته فسألته: كيف؟ فقال: تزوجت بواحدة من قرية ريفية نائية وليس لها في الخرطوم أب أو قريب تلجأ إلى بيته كلما غضبت مني).

 دعونا من نكد الأصدقاء والزوجات ولنتابع معا معاناة زوجين عادا إلى بنايتهما ليلاً، واكتشفا أن التيار الكهربائي مقطوع ولا سبيل إلى بلوغ شقتهما التي في الطابق الثمانين إلا صعودا على السلم أو الدرج، هنا قال الزوج: أنتم معشر النساء تعشقن الشكوى والطنطنة، لذلك فإنني سأروي لك النكات حتى نبلغ الدور الأربعين، وبعدها يأتي دورك لسرد حكايات محزنة كعادتك، وفي الطابق الأربعين توقف الرجل عن سرد نكاته البايخة، وبدأت الزوجة في الغناء فقال الزوج باسما وقد تقطعت أنفاسه من الإرهاق: غناؤك أكثر مأساوية من حكاياتك! وعند الدور السبعين قالت الزوجة سأحكي لك الآن أكثر قصة محزنة سمعتها في حياتك: لقد نسيت مفتاح الشقة في السيارة!!

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news