العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

في الشريعة

القرآن الكريم ليس كتابًا للتلاوة والحفظ، بل هو شريعة كاملة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها لأنه تنزيل من حكيم حميد.

إنه دستور كامل استوعب كل شأن من شؤون الإنسان يقدم الأقوم من الحلول للإنسان، وينظم حركة الإنسان في هذه الحياة، وهو الحارس الأمين على المنهاج الذي يحدد السبل التي يجب أن يسير فيها الإنسان المسلم لبلوغ الغايات التي يرجوها، ويحقق من خلال هديه الأهداف التي يتمناها قال تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» المائدة/48 فما الشرعة، وما المنهاج؟ يقول سبحانه حول هذا: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» المائدة/48.

في هذه الآية الحكيمة بيان يغني عن كل بيان، وتفصيل لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، فالذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو (الحق الذي لا مراء فيه، وهو مأمور صلوات ربي وسلامه عليه بأن يحكم بينهم بما أنزل الله ولا يتبع أهواءهم، فالأهواء متعارضة، والرغبات متعاندة والبشر حين يضعون الشرائع والمناهج يحكمون فيها أهواءهم، وتتحكم فيهم مصالحهم، ويشرع كل حاكم الشرعة التي تحقق له أقصى ما يريد من المصالح والشهوات ولأن المشرع من البشر قاصر، فهو يحلل حاجات من يشرع له، فتشريعه دائما ناقص، أما تشريع الإله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.. الإله الذي ليس بينه وبين أحد من خلقة نسب أو صهر، فلا يميل مع الرجل ضد المرأة، ولا يميل مع المرأة ضد الرجل بل تدور شريعته مع الحق أنّى دار، وهي تحكم بالقسط بين الخصوم، ولا تحكم مشاعرها في أحكامها، وصدق الله العظيم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» المائدة/ 8.

والشنآن هو البغض لجماعة من الناس، ولكن هذه الجماعة لها الحق، فوجب على المسلمين أن يعدلوا معهم رغم بغضهم لهم. إذن، فالمسلم يرتفع على مشاعره وأحاسيسه وينصف أصحاب الحقوق من نفسه الأمارة بالسوء لأن في ذلك تقربا إلى الله تعالى، واستجابة لأمره سبحانه ونهيه وهذا من مقتضى الإيمان، وصدق اليقين، ولا يتحقق كمال الإيمان إلا بذلك.

ومن كمال الشريعة، واستيعابها لأحوال الإنسان أنها تراعي هذه الاحوال المتغيرة، وتشرع لكل حالة ما يناسبها من الاحكام رفقا بالمكلف، ومراعاة لأحواله، ومن هنا جاء تشريع الرخص في دين الله تعالى للوفاء بما يحتاج إليه الإنسان حين تتغير أحواله من الإقامة إلى السفر، ومن الصحة إلى المرض، ومن القدرة إلى العجز جعلت الشريعة لكل حالة من هذه الحالات ما يفي بمتطلباتها، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه.

ومن كمال الشريعة واستيفائها كل أحوال ومتطلبات الانسان انها تشرع للحالات العادية، وتشرع أيضا للحالات غير العادية؛ أي تضع من القوانين ما يستجيب للواقع، وتضع أيضا من القوانين ما يستجيب للمتوقع من أحوال الإنسان، ومن ثم فهي شريعة لا تحتاج إلى غيرها وخاصة في القضايا الكبرى التي للإسلام فيها حكم لا يختلف عليه المسلمون، وأما في القضايا الدنيوية التي فيها أكثر من رأي فهذه متروكة لترجيح العلماء.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news