العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الأمثال في القرآن (1)

الخميس ١٦ مايو ٢٠١٩ - 10:44

د. رائد أبو رية

المثل عبارة عن «قول في شيء يشبه قولاً في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدُهما الآخر ويصوره»1.

فالمثل يقصد به التوضيح والتبيين، وقد أكثر المولى تبارك وتعالى في مواطنَ كثيرةٍ من آياته من الأمثال، ومن ذلك:

 قوله تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» سورة «العنكبوت»: 43.

وقوله تعالى: «وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» سورة «الزمر»: 27 

وقوله تعالى: «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» سورة «الحشر»: 21.

وقوله تعالى: «وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ» سورة «إبراهيم»: 45.

فتدل هذه الآيات الكريمة على امتنان الله على عباده بضرب الأمثال؛ لما تتضمنه من الفوائد الجمة، والتي منها التذكر والاعتبار.

ومن وظائف الأمثال إبراز المعنى في صورة سهلة حتى تستقر في الأذهان التي تحتاج إلى التكرار أو التي لا تفهم من أول مرة، فتراه يُشبِّه المعقول بالمحسوس، والغائب بالحاضر.

ومن ذلك يتبين لنا عدة فوائد: 

1- أهمية الأمثال من الناحية العقلية، فإنها تنقل لنا المتخيَّل إلى الحقيقي، والمتصور إلى الواقع بحيث يقبله العقل، وهذا بدوره يؤدي إلى الإيمان الصادق عند من يفكر ويتبصر.

2- كما تكشف الأمثال عن الحقائق، وتعرض الغائب في معرض الحاضر. 

3-أهمية الأمثال من الناحية النفسية، تحقق للنفس الرغبة في فعل شيء أو تركه، لأن النفس البشرية تشتهي ذلك النوع من الإيضاح وتأنس به، كما تنفر من الجمود والتعقيد ومجرد سوق الكلام باسترسال.

فمما لا شك فيه أن الأمثال القرآنية تعد علمًا بارزًا من منهاج القرآن الكريم، ولقد تناول التمثيل القرآني مجالات متعددة في أكثرَ من مثل ضربه الله تعالى في القرآن يكون المُشبه به كائنات علوية أو سفلية من السماء والأرض، والرعد والبرق، والعنكبوت، والكلب والحمار.... الخ وكلها آيات كونية، استعملها القرآن الكريم؛ لتصوير ما يريد القرآن تصويره، وإبراز المعقول في صورة المُحسّ، ومن ثم فقد كثرت الأمثلة في القرآن الكريم، وإليك بعض النماذج المضيئة التي توضح ذلك.

ومن صور ضرب المثل بالآيات الكونية في القرآن الكريم ما يلي:

1- ضرب المثل لبيان الحق والباطل:

يقول تعالى: «أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أو مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ» سورة «الرعد»: 17.

ففي هذه الآية القرآنية الكريمة يبين لنا الحق تبارك وتعالى الحق في ثباته وبقائه، والباطل في ضعفه وتهاويه واضمحلاله، فيشبه الحق بالماء الصافي والمعدِن النقيّ الذي ينتفع به، وأما الباطل فهو كالزبد الناشيء عن السيل والمعادن لا ينتفع به، بل يرمى به، فجعل تبارك وتعالى الزبد مثالاً للباطل ، وما ينفع الناس مثالاً للحق لعلهم يعتبرون.

2- الترغيب في شيء أو الترهيب منه: 

جاء في مختار الصحاح: (رغب) فيه أراده، و(رهب) خاف. 

فنقصد بالترغيب هنا كل ما يشوق المدعو إلى الاستجابة للحق، ونقصد بالترهيب كل ما يخيف ويُحذر مِن رفض الحق. 

ومن أمثلة الترغيب، الحض على الإنفاق في سبيل الله:

لقد جاءت الأمثال القرآنية تعالج ما جُبلت عليه النفوس البشرية من الشح والبخل والحرص على الدنيا، إذ المثل القرآني من أحسن الأساليب في تصوير النفس الإنسانية في هذا الجانب، ففي معرض الحديث عن الصدقة لوحظ أن الأوامر والنواهي جاءت على أسلوب ضرب المثل.

ومن الأدلة القرآنية على ذلك قوله تعالى: «وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فإن لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (سورة البقرة: 265).

وهنا يشبه الحق سبحانه وتعالى الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله بجنة بربوة، أي كبستان في مكان مرتفع وما كان كذلك فنباته أحسن، أصابها وابل، والوابل: هو المطر الشديد، فآتت أكلها ضعفين، أي أعطت ضعفي ثمرِ غيرها من الأرضين، ولجودة هذا البستان بهذه الربوة وما جعل الله فيه من الخير والبركة فإنه ينتج هذه الثمرات الكثيرة ولو لم يصبها هذا المطر الشديد وأصابها بدلاً منه طل، والطل: مطر ضعيف، فشبه الله سبحانه نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو ينمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فيبقى صلدًا.

يتبع،،

1 - الراغب الأصفهاني : المفردات , سابق , ص759 .

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news