العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير /11
«...كأنّهم جراد منتشر...»

الخميس ١٦ مايو ٢٠١٩ - 10:42

بقلم: عاطف الصبيحي 

مشاهد يوم القيامة بما فيها من نعيم وجحيم، احتلت حيزًا من الصور القرآنية، التي تُبرز مقاطع من يوم الحشر، وما يرافقه من صورة وأحوال الناس وقتئذٍ، ومن هذه الأمثلة نعرض لمثال من سورة القمر من الآية السادسة إلى الآية الثامنة «فتولّ عنهم يوم يدعُ الداعِ إلى شيء نُكر، خُشّعًا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مُهطعين إلى الداعِ يقول الكافرون هذا يوم عَسِر» صورة مكتملة الأركان فنيًّا ونفسيًا وبلاغةً وجرسًا موسيقيًا، وعنصر الحركة واضح فيها، صورة جموع من الناس خارجة من القبور، مثل الجراد حين ينتشر في الأرض وفوقها، ومشهد الجراد ليس غريبًا على الإنسان حين يغطي الشمس، دلالة على الكثرة وكذلك الناس يوم ينسلون من مراقدهم، تخرج مُسرعة، نحو الداعي لا تلوي على شيء، ولا تُفكر إلا بمصيرها، يُسرعون بسمةٍ خاصة عليهم جميعًا وهم خافضو الطرف، وقتها تنطلق ألسنتهم بالحقيقة الساطعة التي لا محيد عنها، يعترفون وعيونهم إلى الأرض ندامة وحسرة، ويقولون «هذا يوم عَسِر» وبهذا الإقرار يكتمل المشهد ويُسدل الستار على خاتمة هؤلاء الذين خسروا وخسرانهم مُبين لا ريب.

ولو تأملنا صورة مقابلة ومقاربة لذلك اليوم الذي تذهل فيه المرضعة عما أرضعت وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى، ولكن الهول خطف العقول، لنتأمل مشهدا من مشاهد يوم القيامة، فيه يُسرع الناس بخشوع، وذلك بآيتين قصيرتين من سورة إبراهيم 42 و43 «ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليومٍ تشخص فيه الأبصار، مُهطعين، مُقنعي رؤوسهم، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء» تتابع الصور في هذه الآيات التي تنطبع في النفس مُذهل، بالكلمات تم تصوير الفزع والخجل والرهبة والاستسلام، بشكل سريع لهؤلاء الذين وقفوا أمام الحقيقة النهائية وجهًا لوجه، وأحسبهم يقولون ليتنا اتبعنا الداعي حين دعانا إلى صاحب هذا اليوم العسير ومالكه، والذي لا حيلة لنا أمامه.

انظروا إلى التعاضد بين الصور وإن اختلفت مواقعها في سور القرآن، التي تُكرس وتنقل لنا بالكلمات الهول العظيم، وإن من الصور يكاد ينطق ويُفصح عن نفسه من دقة التصوير، بحيث الإنسان يعجز عن التعليق على هذه المشاهد التي جسدتها الكلمات، ومثلُنا على ذلك هذه الآيات الكريمة التي افتتح الله بها سورة الحج «يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، يوم تروْنها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلُّ ذات حملٍ حملها وترى الناس سُكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» الآية 1 و2 من سورة الحج، الأم التي تقوم بالرضاعة في تلك اللحظة لم يعُد همها رضاعة صغيرها، وهذه دقة يعجز اللسان عن وصفها حيث لم يقل «تذهل كل مُرضع عمّا أرضعت» لأن المُرضع هي التي لها طفل رضيع، بينما المُرضعة التي تُباشر الرضاعة لحظة الزلزلة، والفارق بينهما التاء المربوطة، وفي نفس اللحظة لا يستقر جنين في رحم أُمه، والجميع رجالاً ونساءً في ذهول مُطبق عليهم ولا يستثني منهم أحدًا، أي لغة يمكن أن تفِي هذه الصورة حقها؟ لا يوجد إلا ما وهبنا الله من خيال لتتشكل تلك الصورة في الأذهان التي تدفع كل ذي قلب سليم للوقوف عند حدود معصيته ويُراجع نفسه، كي ينجو من أهوال ذلك اليوم.

 والصورة الأخيرة التي نعرضها بإيجاز التي تصور الحالة الداخلية للإنسان، تصور بواطن الناس في ذلك اليوم الرهيب، وبعدد قليل من الكلمات القِصار من سورة عبس 37 «لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يُغنيه» والآية 10 من سورة المعارج «ولا يَسأل حميمٌ حميمًا»، هذان نموذجان من بين عدة نماذج استبطنت الباطن وصوّرته في يوم القيامة، وهذا أمر لا يُدرك عقليًا والوجدان أولى من العقل بإدراكه.

مع النص: الكتابة بهذا الموضوع عسيرة غاية العُسر لأنها كتابة عن صور بلغت المنتهى بالدقة في تصويرها الظاهري والوصف المُصوّر للداخل الوجداني النفسي للإنسان، فكيف لكاتب مهما ما أُوتي من بلاغة أن يصف كلام رب العزة؟ ولكن حسبنا أن نُبْرز الصور، ولن نستطيع الحديث عنها إلا كنقرة عصفور من بحر عظيم. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news