العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في الاقتصاد والتجارة
سوق المدينة المنورة والاقتصاد الإسلامي

الخميس ١٦ مايو ٢٠١٩ - 10:36

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

إن من الدعائم العظيمة التي قامت عليها الدولة والحكومة الإسلامية الاهتمام بالاقتصاد والمال والتجارة، لذلك عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وجد أن اليهود لهم اليد العليا على المال والاقتصاد والذي هو عصب الحياة، وكانوا هم المسيطرون على سوق المدينة المنورة، بمعنى آخر اقتصاد المدينة، وكان سوق المدينة يقع في حي بني قينقاع، وكان هذا السوق يسوده الغش والربا وأكل السحت والاستغلال والخداع والاحتكار ودفع الاتاوات والضرائب والرسوم، كل ذلك وزيادة وخاصة عندما بدأ عدد من المسلمين والصحابة رضوان الله عليهم يرتادون السوق بهدف التجارة.

وبعدما توافد المسلمون على المدينة المنورة بعد الهجرة الشريفة وتزايد عددهم، وكان بينهم العديد من التجار من أمثال أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم وأخذ هؤلاء يتعاملون مع السوق بطريقة أو بأخرى على اعتبار أنه المصدر الوحيد للمال والاقتصاد في المدينة المنورة، وبدأوا يدخلون السوق ويتاجرون ويربحون وعلى الرغم من ذلك بدأوا يشعرون بالحرج، إذ أن الاقتصاد الإسلامي المبني على الفكر والعقيدة الإسلامية يقوم على مبادئ تختلف تمامًا عن مبادئ السوق اليهودي، لذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا بد أن تكون هناك مواجهة في مجال الاقتصاد والمال، وأنه لا بد أن ينشئ النظام الاقتصادي الذي يسير وفق الشريعة الإسلامية، وأن يكون واضحًا جليًا لمن يرغب في الاتجار ودخول السوق، فأنشأ صلى الله عليه وسلم سوقًا جديدة قريبة من سوق بني قينقاع، فضربت قبة -أي خيمة كبيرة- لتكون رمزًا وعلامة يتجمع حولها المسلمون للبيع والشراء، ولقد اغتاظ اليهود من هذه السوق، إذ إنه يبين لجميع العرب ما كان يمارس اليهود في سوقهم من خداع وغش وتدليس، وخافوا من الكساد وذهاب سوقهم، فتجرأ كعب بن الأشرف العدو اللدود للمسلمين وهدم القبة وقوضها وقطع حبالها، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم «لأضربن له سوقًا هو أغيظ له من هذا»، وانتقل إلى مكان فسيح صالح حر وضرب فيه برجله وقال: «هذه سوقكم لا تتحجروا -أي تضيقوها- ولا يضرب عليها الخراج».

وربما اختلفت بعض الروايات في كيفية إنشاء السوق، فمثلاً عن أبي أسيد أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد رأيت موضعًا للسوق أفلا تنظر إليه؟ فجاء به إلى موضع سوق المدينة، قال: فضرب النبي صلى الله عليه وسلم برجله، وقال: «هذا سوقكم فلا ينقص منه ولا يضربن عليه خراج»، كما روى ابن ماجه عن أبي أسيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى سوق النبيط فنظر إليه، فقال: ليس هذا لكم بسوق، ثم ذهب إلى سوق فنظر إليه فقال: ليس هذا لكم بسوق، ثم رجع إلى هذا السوق فطاف فيه ثم قال: هذا سوقكم فلا ينقصن ولا يضربن عليه خراج.

ولكن مهما كانت الروايات فإن هذا ليس هو الموضوع الأساسي، فالموضوع الذي نريد أن نشير إليه هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهمل إقامة موضع للاقتصاد هو السوق، وقد خط صلى الله عليه وسلم بعض الأسس لهذا السوق، مثل:

1- عدم تضيق مساحة الأرض في السوق على التجار والمتعاملين في السوق؛ وذلك حتى لا يضيق التجار والزبائن من ضيق المساحة فيخرجوا للبحث عن سوق آخر غيره.

2- حرية المعاملات بشروط معينة.

3- عدم التضييق حتى تسهل المعاملات.

4- عدم فرض الرسوم على الأسواق حتى لا تكون سببًا في ارتفاع الأسعار.

5- تحريم الاحتكار والتحكم.

6- تحريم الغش والربا.

وهي في الحقيقة الأسس التي يقام عليها الاقتصاد الإسلامي منذ تلك اللحظات.

يقول الدكتور حسين شحاتة في بحثه (من معالم الحج – إنشاء السوق الإسلامية المشركة): «ويقصد بذلك لا بد أن تكون السوق واسعة ولا يُضيق التجار بعضهم على بعض في الأماكن، كما لا يجوز لولي الأمر أن يفرض على المتعاملين فيها إتاوات أو رسوما أو ضرائب، خلاف زكاة المال المقررة شرعًا».

ثم يواصل ويقول: «إن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا فيه معالم كثيرة يجب على المسلمين عامة ورجال الأعمال خاصة أن يأخذوا منها الدروس والعبر، من أهمها ما يلي:

أولاً: الإيمان بأن معاملات اليهود تقوم على الغرر والربا والغش والتدليس والاحتكار، وهذا محرم في الشريعة الإسلامية، وأن تعامل المسلمين فيها يوقعهم في الحرام، لذلك يجب أن يكون للمسلمين سوق حرة نظيفة طاهرة. 

ثانيًا: إن فرض الاتاوات (الضرائب – الرسوم وما في حكمها) من دون ضوابط شرعية على المعاملات في الأسواق يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل، وهذا لم يقره رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك نهى عن فرض الخراج على المعاملات في الأسواق، وهذا واضح في قوله: «ولا يفرض عليها الخراج». 

ثالثًا: شمولية المنهج الإسلامي، فهو مسجد ومعهد وسوق، فلا يستقيم أمر المجتمع الإسلامي من دون أن تكون معاملاته طبقًا لشرع الله عز وجل، وهنا يكون التفاعل والترابط بين القيم الإيمانية والأخلاقية الفاضلة والسلوك الاقتصادي الإسلامي الطيب ليضبط المعاملات التجارية. 

رابعًا: يجب أن يكون للمسلمين قوة اقتصادية تستطيع بها المحافظة على أموال المسلمين وتنميتها بالحق، وأن تكون لهم سوق خالية من كل صور الغرار والربا وأكل أموال الناس بالباطل سوقًا تقوم على الطيبات والحلال والصدق والأمانة والتسامح والقناعة وخالية من الاحتكار. 

تأتى أهمية السوق الإسلامية للدول الإسلامية من أهمية وجود كيان اقتصادي قوى للمسلمين في مواجهة الكيانات الاقتصادية الدولية المعاصرة والتي يسيطر عليها غير المسلمين المحاربين للإسلام.

لنتتبع رحلته صلى الله عليه وسلم في إنشاء الاقتصاد الإسلامي.

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news