العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٧ - الأربعاء ٢٤ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

تحرر السودان ولسان عبير

وأنا أتابع أخبار وأحداث وطني بلهفة، ويرقص قلبي طربا وأنا أرى الملايين تهدر في الشوارع كالسيول مطالبة برحيل الطاغية عمر البشير، ثم ممزقا ألما وأنا أرى آلة الموت تحصد أرواح العشرات من الشباب، ثم ترتفع معنوياتي مجددا كلما سجل الثوار نصرا لانتزاع السلطة من ايدي العسكر، في أثناء كل ذلك ظللت استعيد ذكريات انتفاضة أبريل 1985 الباسلة، التي أطاحت بالطاغية جعفر نميري، وأكثر ما لفت انتباهي وأنا أرقب وارصد فعاليات ثورة السودان الشعبية الحالية هو أن وقودها من الشباب كانوا على الدوام يرددون أهازيج وأشعار المقاومة والصمود التي جادت بها قرائح شعراء كانوا على الدوام صوت الشعب، وتلقف معظم تلك القصائد مطرب السودان الكبير محمد وردي الذي ياما ناطح الديكتاتوريات العسكرية في السودان وأضفى عليها ألحانا شجية ظلت على كل لسان.

الثورة السودانية الحالية التي أدت الى سقوط البشير في السادس من ابريل الماضي، جعلتني استعيد أشياء من ثورة ابريل 1985، واستعيد معها أمرا يتعلق بابنتي عبير التي تربطني بها علاقة خاصة جدا، ربما كان منشؤها إحساسي بالذنب تجاهها، فعند مولدها كان راتبي ضعيفاً نسبياً، وما إن فزت بعقد لتعريب أنظمة ولوائح العمل في مؤسسة الاتصالات بدولة الإمارات، حتى انغمست في العمل الذي استغرق ما يزيد على عامين، وكان العائد المالي لذلك العمل ضخما بمقاييسي، وما إن كدت أفرغ منه حتى كلفتني وزارة الإعلام الإماراتية بإعداد الكتاب السنوي لدولة الإمارات، وطوال تلك الفترة كانت عبير لا تنوم إلا بين يدي، ولا تأكل إلا من يدي، وبعد أن اجتمعت في يدي ثروة طيبة انتبهت إلى أن صديقتي عبير قاربت الرابعة من دون أن تنطق بجملة مفيدة.

تخيل أن تكتشف أنك كنت غافلاً لنحو 48 شهرا عن أن ابنتك بكماء، وكنت طوال فترة اللهاث لجمع المال، أعتزم أن أستثمر المال الذي جمعته من تلكما المهمتين لبناء بيت للعائلة في السودان، ولكن انتباهي لحال عبير جعلني ألعن المال والبيوت، وقررت السفر بها فورا إلى السودان لعرضها على الأطباء، فإلى يومنا هذا لا يرتاح بالي ما لم استشر طبيبا سودانيا في أمر صحتي أو صحة أفراد عائلتي، لأنني أعرف مدى قوة عوده الأكاديمي والمهني، وفي الخرطوم أجرى لها الطبيب الاختبارات وقال إنها تعاني من خمول في عصب سمعي وكتب لها عقارا منشطا، وقررت أنه ما لم يأت عقاره مفعوله خلال أسبوعين فسأسافر بها إلى أي ركن من أركان الدنيا، مهما كلفني ذلك من مال، وبعدها جعلت عبير شغلي الشاغل: أجلس معها ليل نهار، أدربها على الكلمات وأؤلف الأغنيات الطفولية، مستخدماً الأحرف ذات المخارج السهلة، مستحضرا كل ما درسته في فقه اللغة والصوتيات، وزادني حماساً أنني كنت أعرف أن عبير تتمتع بذاكرة فوتغرافية تسجل الأرقام والوجوه بدقة، وكنا نعتمد عليها حتى وهي عاجزة عن الكلام في تحديد الطوابق والشقق التي يسكن فيها أقاربنا ومعارفنا في أبوظبي.

وذات يوم ونحن في غمرة ونشوة مظاهرات الفرح في شوارع الخرطوم وفرحته بسقوط حكم نميري سمعتها وهي في الحمام تهمهم بكلام عجيب، فأرخيت السمع فإذا بها تردد مقطعاً صعباً من نشيد وطني لمطرب السودان الكبير محمد وردي، كان المقطع الأصلي يقول: «شبابك تشابك... كتير الزحام... أراهم وراهم غبار الحياة... مدائن تعاين كأم العروس... تهلل تكلل حبين الإمام»... وظّف الشاعر بمهارة عالية حروفاً معينة في كل مقطع لتوليد موسيقى راعدة، وكانت عبير تردد تلك المقطع وهي تعبث بها: شبابك تشابك... اعمل حسابك! يعني أتت من عندها بعبارة عابثة ظلت تختزنها منذ زمن، واقتحمت الحمام وخرجت بها وكلانا يردد أمام جميع أفراد العائلة ملحمة تشابك أيدي الشباب، وازدحام الطرقات بهم في مسيرة الإطاحة بجعفر نميري؛ واختلطت الزغاريد بالدموع. وخلال الشهر الذي أعقب انفكاك عقدة لسانها، جعلتنا عبير نندم على تغلبها على علتها، فخلال شهر واحد أخرجت كل مخزونها من الكلام وحرمتني من النوم بغنائها بصوتها القبيح، ولكن وإلى يومنا هذا مازال الشعور بالذنب لأنني حرمتها من 4 سنوات من عمرها، وهذا ما جعلني أصبر على أختها المتوحشة مروة، ولا أستسلم لأي إغراء يحرمني من تخصيص ثلاث ساعات على الأقل يوميا لعيالي.

وكم أنا سعيد لارتباط أبريل بثلاثة أحداث مبهجة: سقوط نميري ثم انطلاق لسان عبير ثم سقوط البشير.

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news