العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

تأملات في قوله عز جل «ثاني اثنين إذ هما في الغار»

الأربعاء ١٥ مايو ٢٠١٩ - 10:54

الحق تبارك وتعالى يقول في سورة التوبة الآية الأربعون: «إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» [سورة التوبة: الآية40).

1- يذكر الله تبارك وتعالى أنّ نصره له بدأ منذ أن تم إخراجه هو وصاحبه بمعنى أن الخروج مع صاحبه هو أولى خطوات نصر الله له .

2- يذكر الله تبارك وتعالى أن الذين أخرجوه هم الذين كفروا.

3- أن الآية الكريمة ذكرت صفة الحزن، وفي القرآن الكريم كله ما جاءت صفة الحزن إلا وهي تطلق على المؤمنين فقط، وإليكم بعض الأمثلة.. يقول الحق سبحانه وتعالى: «وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (سورة آل عمران: الآية 139), «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ» (سورة النحل: 127 الآية 127), «فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً» (سورة مريم: الآية 24), «وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (سورة يونس: الآية 65).

من خلال كل هذه الآيات الكريمة نرى أن النهي عن الحزن يأتي في مقام المواساة ولا يأتي إلا للخير, فهي تقال للحزين المؤمن على خير فاته أو يخشى أن يفوته, وهي تـُقال للمؤمن فقط ولا تقال للكافر أو العاصي, ومن هنا يثبت أن الحزن كان خشية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه على خير يفوته بعثور الكفار عليهما «إن الله معنا». معية الله تقدست أسماؤه نوعان لا ثالث لهما:

الأولى: هي معية نصر وتأييد مثل قوله تعالى: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» (سورة الأنفال من الآية12).

والمعية الثانية: هي معية علم ورقابة قال تعالى «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً » (سورة النساء: الآية 108).

وبما أن الموقف هو الشدة واثنان أخرجهما الكفار ويطاردونهما ويريدون قتلهما فإن المعية هي معية نصر وتأييد.

إخوة الإيمان.. عباد الرحمن.. أيها الأحبة:

إن كلمة صاحب لا يمكن أن تُطلق على غير المُخلص لمن معه أبداً.. مثال قوله عز وجل: «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» (سورة الأعراف: الآية184). «يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ» (سورة يوسف: الآية 39), «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً» (سورة الكهف: الآية37) «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى» (سورة النجم: الآية الثانية) لو بحثت في القرآن المجيد كله فلن تستطيع أن تستخرج كلمة صاحب وتكون دالة على الغادر أو المنافق.

إخوة الإيمان.. عباد الرحمن.. أيها الأحبة:

لم يكن معه إلا رجل واحد «إذ هما في الغار»: غار ثور، «إذ يقول لصاحبه» وهو أبوبكر «لا تحزن»: لا تخف «إن الله معنا» بالعصمة والمعرفة. 

وهذا قول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه يشهد بفضيلة أبي بكر الصديق: سُئل: لم اختار المسلمون أبا بكر خليفة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإماماً لهم؟ فأجاب بقوله: «إنا نرى أبا بكر أحق الناس بها، وإنه لصاحب الغار وثاني اثنين، ولقد أمره رسول الله بالصلاة وهو حيّ (شرح نهج البلاغة ج2 ص50).

المتأمِّل في أحداث الهجرة النبوية من مكة المشرفة إلى المدينة المنورة، منذ خروج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته مع صاحبه أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، ومُرورًا بأحداث الطريق والسَّفر، وحتَّى دخول المدينة يجد فيها مواقف عملية لمعاني التوكل واليقين، والإخاء والعطاء، والصَّبر والنصر.

لم تكن قريش تعلم أن الله أذن لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، وبينما هم يحيكون مؤامرتهم كان النبي صلى الله عليه وسلم قد غادر بيته في ليلة السابع والعشرين من شهر صفر السنة الرابعة عشرة من النبوة وأتى إلى دار أبي بكر رضي الله عنه في وقت الظهيرة متخفّياً على غير عادته، ليخبره بأمر الخروج والهجرة، وخشي أبو بكر أن يُحرم شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذن في صحبته فأذن له، وكان قد جهّز راحلتين استعداداً للهجرة، واستأجر رجلاً مشركاً من بني الديل يُقال له عبدالله بن أُريقط ماهرا وعارفا بالطريق، ودفع إليه الراحلتين ليرعاهما، واتفقا على اللقاء في غار ثور بعد ثلاث ليال، في حين قامت عائشة وأختها أسماء رضي الله عنهما بتجهيز المتاع والمؤن.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يتخلّف عن السفر ليؤدي عنه ودائع الناس وأماناتهم، وأن يلبس بردته ويبيت في فراشه تلك الليلة، ثم غادر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه من بابٍ خلفي، ليخرجا من مكة قبل أن يطلع الفجر.

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتجه نحو اليمن، حتى بلغ جبلا يعرف بجبل ثور، وقام كل من عبدالله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة وأسماء بنت أبي بكر بدوره.

انطلق المشركون في آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، يرصدون الطرق، ويفتشون في جبال مكة، حتى وصلوا الى غار ثور، وأنصت الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه إلى أقدام المشركين وكلامهم، فعن أنس رضي الله عنه عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا!، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟) رواه البخاري).

وفي هذه القصة دليل على كمال توكل النبي صلى الله عليه وسلم على ربه، وأنه معتمد عليه، ومفوض إليه أمره، لم يهدأ كفار قريش في البحث وتحفيز أهل مكّة للقبض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أو قتلهما، ورصدوا مكافأة لمن ينجح في ذلك مائة ناقة ولكنهما وصلا بحفظ الله ورعايته وعنايته سالمين إلى المدينة المنورة.

التوكل واليقين -مع الأخذ بالأسباب وإعداد العدة- من الدروس المهمة على طريق الهجرة النبوية، فما أحوجنا ونحن نتعلم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن نقف مع دروسها وعِبرها، ونأخذ منها ما ينير حياتنا.

هذا ودائماً وأبداُ الله أعلى وأعلم.

فؤاد إبراهيم عبيد

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news