العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير /10
«وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت»

الأربعاء ١٥ مايو ٢٠١٩ - 10:52

بقلم: عاطف الصبيحي 

في قصة حقيقية غارقة في القِدم, يقدم لنا القرآن خبراً لنبي من أنبياء الله الكِرام وابنه النبي الكريم, وهما يُقيمان صرحا تعالى على الزمان, وسيبقى شامخاً في وجه عاديات الزمن حتى يأذن الله بخلاف ذلك, ولله الأمر من قبل ومن بعد, هنا قصة حقيقية تُجمل لنا ولكل الناس وعلى مدار الزمان قصة بناء البيت الحرام «الكعبة» بسردية تعجز البشرية عن الإتيان بها ولو اجتمعوا لذلك, وكان بعضهم لبعض ظهيرا, وما قولنا هذا مزايدة ولا مبالغة, وعندما ننظر إلى الآية التي ورد فيها موضوع بناء الكعبة نجدها استهلت الموضوع بخبر البناء «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل» هذا الخبر بمجمله, لكن الانتقال منه إلى الدعاء بشكل سريع ومباشر هو الذي منح هذه الصورة جمالها الذي لا يُضاهى, وأهل الأدب يُدركون هذا ويعرفونه.

الإحياء -إحياء المشهد- كان في الحركة الجملية في الانتقال من الخبر إلى الدعاء مباشرة بدون أي فاصل لفظي, فلو قال «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان ربنا...» لكان هناك نقص حاد يصيب الصورة والحكاية, لكن بحذف لفظ واحد فقط ومعناه مُقدر ومعروف ضمناً لدى القارئ, حيث دعاء سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل بالضرورة منطوق قولاً, فجاء حذف هذا اللفظ «يقولون», ليبث في هذه الصورة حكاية وحياة, والصورة القرآنية تعج بالحياة, ثم يشرعا بالدعاء الطويل الذي يتضمن جوامع الخير لهم ولمن بعدهم, وحتى الدعاء فيه معان عظيمة وترسيم لمعاني السعادة التي يرنو إليها من مدّ بصره إلى ما بعد الحياة الدنيا إلى الحياة السرمدية.

وقصة حقيقية ثانية وردت لنبي آخر من أنبياء الله وابنه المُفارق لأبيه ورسالته, قصة الطوفان في زمن نبي الله نوح عليه السلام, «وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بُني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين» هود 42, مشهد الموج والاضطراب مرعب ونوح عليه السلام في هذه الظروف العصيبة يستجيب لنداء الدم وتتحرك فيه عاطفة عصية على الكتمان أو التجاوز, فينادي ابنه ويدعوه الى الركوب بغية النجاة من الغرق ومن القوم الكافرين فيُحقق السلامة في الدنيا والفوز في الآخرة, هذه العاطفة السامية تُقابل بعقوق البنوّة التي لم تُلقِ بالاً للضراعة الأبوية, صورتين على طرفي نقيض, والمشهد عصيب ويزداد قتامة.

الموج كالجبال والابن مطمئن للجبال ليستعصم بها, ويستمر الأب بالإقناع: «لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحِم» مرة أُخرى تقفز للأذهان صورة الأب المُتشبث بإنقاذ ابنه, تُقابلها صورة الابن المُتعجرف, وينتهي الحوار أو الرجاء الأبوي أو قُل الموج يُنهي الحوار ويبتره بتراً مأساوياً يستدعي ألماً في النفس وتترقرق الدموع في المُهج «وحال بينهما الموج فكان من المُغرقين», تراجيديا مفعمة بالأسى بصورة شديدة الكثافة وفي كلمات معدودة, ويا لجمال البلاغة في الأمر الإلهي حين قال منهياً هذه المأساة «يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقُضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بُعداً للقوم الظالمين»، ولو توقفنا بلاغياً عند كلمة «ابلعي» لوجدنا فيها السرعة وذلك بخلاف «ابتلعي» التي تستلزم وقتاً أطول من «ابلعي»، وذلك للتعجيل بطي الصفحة من الوجود وبقاؤها حاضرة في الأذهان للعبرة والعِظة, والتحديد الذي أعقب كلمة «ابلعي» «ماءك» ولا شيء سوى الماء, وإلا لابتلعت الأرض كل ما عليها, ثم توجيه الأمر للسماء بكلمة «أقلعي» لتسهيل الاستواء ولتعود الحياة لطبيعتها, ولا مجال للاسترسال في أشكال البلاغة المتضمنة في هذه الآية الكريمة, لأن غاية هذه السلسلة من المقالات التعرض للناحية الجمالية الفنية في الصور والقصص القرآني.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news