العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

في ذكرى النـكـبة: ديفيد فريدمان يقف في الـجـانب الـمـظـلم والـمـجـهول من التاريخ

بقلم: تيسير خالد {

الأربعاء ١٥ مايو ٢٠١٩ - 01:26

يجب الاعتراف بأن هناك أكثر من رواية ليس فقط عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني عام 1948 بل عن تاريخ هذه البلاد وحضارتها وثقافتها الممتدة عبر التاريخ. في التاريخ هناك رواية اعتمدت وما زالت على الأساطير التي تناقلتها أقوال العرافين في حكايات توراتية لا تخلو من التناقض وتفتقر إلى سند تاريخي وتدعي رغم ذلك صلة بهذه البلاد تتيح لها نفي جميع الثقافات والحضارات التي تعاقبت على بلاد كنعان على امتداد السنين. وقد لفت انتباهي مؤخرا في هذا السياق ما كتبه السفير الأمريكي في إسرائيل ديفيد فريدمان بمناسبة مرور عام على اعتراف إدارته بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس في تحد صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وعدوان على حقوق الشعب الفلسطيني يذكرنا بالعدوان غير المسبوق في وعد بلفور، الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق. 

فقبل أيام كتب السفير فريدمان مقالا في جريدة «إسرائيل اليوم» المقربة جدا من بنيامين نتنياهو ومن الاتجاهات اليمينية المتطرفة على شاكلته في إسرائيل أن بلاده دشنت في 14 مايو 2018 سفارتها في القدس عاصمة إسرائيل الأبدية بقرار شجاع للرئيس دونالد ترامب اعترف أيضا بحقيقة تعود إلى 3 آلاف سنة يحاول أعداء إسرائيل شطبها منذ زمن بعيد. ولإضفاء بعد سياسي كاذب على روايته استعاد فريدمان بداية أيام الولايات المتحدة كجمهورية، حيث كانت القدس على رأس فرحها في عام 1844 على حد زعمه. في ذلك الوقت ينسب فريدمان إلى القنصل الأمريكي العام الأول في المدينة ووردر كرسون فور تعيينه قوله بأن الحقوق التي يتمتع بها الأمريكيون من خلال «وثائق الدفاع» الدبلوماسية ستنطبق أيضا على يهود القدس لينتهي إلى أن نقل السفارة الأمريكية وضع الولايات المتحدة جيدا في الجانب الصحيح من التاريخ. 

الجانب الصحيح من التاريخ القديم لهذه البلاد لا يقوم على مواصلة التعلق بأساطير وحكايات عرافين تعود إلى ثلاثة آلاف من السنين يكون في بؤرة تركيزها الأهم نفي صلة غير اليهود ببلاد كنعان بقدر ما يقوم على الأخذ في الاعتبار بالحد الأدنى أن التاريخ أوسع من إدعاءات فريدمان وغيره من المزورين وهو سجل أحداث وثقافات وحضارات يجب أن تخضع للفحص النقدي حتى يقترب من الحقيقة. وعلى كل حال فقد عرف العالم عمليات تزوير في التاريخ القديم لعديد من البلدان والشعوب، غير أن عمليات التزوير عند ديفيد فريدمان كصهيوني يميني متطرف وعند غيره من الصهاينة لا تقف عند حدود القديم بل هي عملية ممتدة تغطي تاريخ قيام دولة إسرائيل في تاريخنا الحديث. ذلك واضح من خلال الرواية الإسرائيلية عن النكبة، التي ضربت الشعب الفلسطيني قبل عشرات وليس قبل آلاف السنين. 

فللنكبة روايتان، واحدة إسرائيلية اعتمدت الكذب وتزوير الحقائق منهجًا. والثانية فلسطينية قصرنا للأسف الشديد في تقديمها كما جرت أحداثها فعلا، مقدماتها وتداعياتها للرأي العام العالمي. هنا يجب التصدي للرواية الإسرائيلية لأنها مبنية على الأكاذيب بشأن تهجير مئات آلاف الفلسطينيين وطردهم من أرض الآباء والأجداد عام 1948. وعندما نتصدى للرواية الإسرائيلية يجب أن نقدم روايتنا الفلسطينية كما حدثت منذ وعد بلفور وصك الانتداب ومشاريع التطهير العرقي، وحتى ما بعد قيام دولة إسرائيل والمجازر التي ارتكبتها، وكلها جرائم لا تموت بالتقادم وكان مخططًا لها أن تنفذ من قبل الوكالة اليهودية والصهيونية لكي تسهل قيام إسرائيل»

هنا تجدر الإشارة إلى الخطة «دالت» التي أقرتها الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية في بداية عام 48 وتحديدا في مارس من ذلك العام، وأوكلت تنفيذها إلى الهاجاناه وغيرها من منظمات الإرهاب اليهودي في فلسطين بتوجيهات تفصيلية مثل القتل وبث الرعب ومحاصرة المدن والقرى الفلسطينية وحرق البيوت والممتلكات وزرع الألغام وسط الأنقاض لمنع الأهالي من العودة إلى بيوتهم، وما ترتب عليها من ارتكاب الهاجاناه وغيرها من المنظمات الإرهابية في ضوء تلك الخطة 28 مجزرة كان أشدها هولا في دير ياسين وعملية هدم لأكثر من 530 بلدة وقرية وتهجير 800 ألف فلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين ولاجئين في وطنهم سواء كانوا في داخل أراضي الـ48 أو في الضفة أو غزة.

وفي هذا الصدد يجب أن نطرح هذه الرواية ويجب أن نقدم معها ما قاله مناحيم بيجين وشامير عن دير ياسين وكلاهما أصبحا فيما بعد رؤساء لحكومات إسرائيلية. فقد قال بيجين انه من دون دير ياسين ما كان ممكنًا لإسرائيل أن تظهر للوجود، فيما وصف إسحق شامير المجزرة بأنها كانت واجبًا إنسانيا. هذه الرواية إذا ما قدمناها نقدم للعالم الدليل القاطع على ما خططت له الصهيونية من جرائم تم ارتكابها. والرواية الأخرى يجب أن تشمل المقدمات التي أدت إلى النكبة فهذه الرواية الفلسطينية التي قصرنا في تقديمها أسهمت في أن يأخذ العالم فترة غير قصيرة بالرواية الإسرائيلية التي ادعت أن سكان فلسطين غادروا منازلهم استجابة لنداءات من الخارج. وقد تأخر العالم في سماع روايتنا بقدر ما تأخرنا نحن في طرح رؤيتنا وروايتنا».

طبعا هناك تحول كبير في موقف الرأي العام العالمي وقبوله التدريجي للرواية الفلسطينية. فالوضع بدأ يتغير وقد ساعد على ذلك أعمال عدد من المؤرخين الجدد في إسرائيل وخاصة أولئك الذين أظهروا على نحو واضح عمليات التطهير العرقي التي رافقت قيام دولة إسرائيل منذ أيامها الأولى، وبدأ يتغير نتيجة صمود أهلنا في مناطق الـ48 في وجه العدوان ومحاولة الأسرلة الدائمة ومواجهتهم، كأقلية قومية حافظت على قضيتها وعلى وجودها وكذلك حافظت على قضية اللاجئين حية وعلى حقهم في العودة، نتيجة الصمود والضحايا في معاركنا كشعب سواء في الخارج أو في الداخل والتمسك بحق العودة وأنه لا يمكن أن يموت هذا الحق بالتقادم، نتيجة سياسة التهجير والتطهير العرقي التي انتهجتها إسرائيل وليس كما تدعي إسرائيل بأن اللاجئين تركوا وطنهم وبيوتهم استجابة لنداءات من الخارج. وتحول في سياق ذلك حق اللاجئين في العودة إلى بيوتهم وديارهم التي هجروا منها إلى حق لا يموت بالتقادم وهو حق وطني وفردي وجماعي ويجب التمسك بهذا الحق وبالإجماع حول هذا الموقف الوطني بصرف النظر عن أي اعتبارات قد يراها البعض في سياق أي عمليات سياسية أو تفاوضية.

ويبقى موقف الإدارة الأمريكية هنا موقفا غريبا ومستهجنا خاصة بعد خطواتها التي أقدمت عليها مؤخرا بمحاولة إزالة قضية اللاجئين الفلسطينيين من جدول أعمال التسوية السياسية وسلسلة القرارات التي استهدفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (اونروا) بتجفيف مواردها المالية على طريق حلها وتصفيتها. ما يملي على الفلسطينيين اتخاذ مزيد من الخطوات الفاعلة على المستوى العربي والإقليمي والدولي بمواصلة التحرك نحو الدول الأوروبية والعربية والإسلامية من أجل تجنيد المزيد من الموارد لصالح سد العجز في ميزانية وكالة غوث اللاجئين، وللثبات على أن حق العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم هو حق ثابت ومقدس في وجه سياسة الإدارة الأمريكية التي تستهدف هذا الحق وتستهدف تصفية قضية اللاجئين وإنهاء عمل وكالة الغوث الدولية الشاهد الحي على نكبة الشعب.

أخيرا فإن تجديد التفويض لعمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الاونروا» نهاية هذا العام بات تحديًا يطرح نفسه ليس على الفلسطينيين وحدهم بل على الدول العربية وعلى المجتمع الدولي باعتبارها الجهة الدولية المعنية بحفظ حقوق اللاجئين الفلسطينيين وعدم المساس بالتفويض الممنوح لها استنادًا لقرار إنشائها رقم 302 لعام 1949. إلى حين حل قضية اللاجئين، واستمرارها في تقديم خدماتها الصحية والتعليمية والإغاثة الاجتماعية، لأكثر من خمسة ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين لديها وفقا للتفويض الأممي الممنوح لها.

‭{‬ عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية 

‭{‬ عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news