العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

نكبة فلسطين مأساة غير مسبوقة

اليوم الخامس عشر من مايو عام 2019. تكون قد انطوت سبعة عقود وسنة واحدة من عمر النكبة الفلسطينية التي أدت إلى تشريد الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني من وطنهم التاريخي وإحلال مستوطنين جدد من شتى بقاع المعمورة مكانهم، في تطبيق عملي على أرض الواقع لأوهام تاريخية دونتها الأساطير قبل آلاف السنين. نكبة فلسطين التي تصادف اليوم تعد واحدة من أفظع الجرائم التي شهدتها البشرية طوال تاريخها القديم والحديث أيضا، التاريخ سجل استيطانا لأقوام جدد إلى جانب السكان الأصليين لهذا البلد أو ذاك، كما حدث مثلا في أمريكا وجنوب إفريقيا وأستراليا، ورغم ما رافق مراحل الاستيطان البشري الجديد من صدامات ووقوع العديد من الفظاعات الإنسانية، فإنه على مدى مئات السنين جرى ما يشبه الانصهار والتمازج الوطني بين مختلف الأعراق وأقيمت الدولة على مبادئ المواطنة الحقيقية التي لا تفرق بين مواطن وآخر بسبب أصله العرقي أو لون بشرته، وأحدث هذه النماذج جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري البغيض. 

ما جرى في فلسطين ومع الشعب الفلسطيني تحديدا يختلف كليا عما شهدته مناطق كثيرة في العالم من عمليات استيطان وتدفق سكان جدد على عديد من البلدان والعيش بجوار سكانها الأصليين ومن ثم تحولهم إلى مواطنين يتمتعون بكامل الحقوق والواجبات أسوة بأبناء البلد الأصليين، ما حدث في فلسطين يعد ولا يزال حتى يومنا هذا، جريمة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فالنكبة التي حلت بشعب فلسطين حولت هذا الشعب إلى حالة فريدة ووحيدة من نوعها في العالم، إذ يعد الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد على مستوى المعمورة المشتت بين مختلف بقاع المعمورة والمحروم من  أدنى حقوق المواطنة التي تتمتع بها شعوب العالم الأخرى.

«الحق التاريخي» في فلسطين الذي تتحدث عنه الدعاية الصهيونية، والذي عملت الحركة الصهيونية على ترجمته على أرض الواقع منذ تبلور مشروعها الاستيطاني في نهاية القرن التاسع عشر، هذا «الحق» لا يعدو أن يكون شكلا من أشكال الأساطير التاريخية تدحضه مخطوطات غزيرة وغنية تقدم الكثير من المؤشرات والقرائن حول مسار وتطور التشكيلة الديمغرافية لسكان فلسطين خلال تلك الحقب ودور الأحداث التاريخية في تشكيل التركيبة السكانية في ذلك الوقت، الجدل حول ذلك يعد كتابا مفتوحا لا يمكن طي صفحاته بمجرد أن يقدم ما يريد أصحاب المشروع الصهيوني في فلسطين تقديمه والاستناد إليه، لدعم مشروعية «الحق» المزعوم.

قضية فلسطين وتشريد شعبها من وطنه، لا علاقة لها إطلاقا بما تتحدث عنه الأساطير التاريخية، فهذه قضية، علاوة على ما لها من بعد إنساني، فهي في الأساس قضية سياسية وأن مشروع الحركة الصهيونية المتمثل في إقامة «وطن لليهود» في فلسطين، ليس سوى مشروع سياسي مرتبط ارتباطا عضويا بالمشاريع الاستعمارية التي كانت في أوج تنفيذها بعد الانتصار الحاسم للثورة الصناعية في أوروبا وبروز القارة كقوة ليس لها ما يضاهيها على المستوى العالمي ومن ثم تكدس المال والثروة والقوة العسكرية الجبارة في أيدي القوى الاستعمارية التي كانت تحكم وتتصرف في دول العالم وشعوبها كما لو أنها أملاك خاصة بها، وهذا ما حدث بالضبط مع فلسطين حين قدمت بريطانيا في عام 1917. وعدها المشؤوم بإقامة هذا «الوطن» لليهود في فلسطين وهو ما تحقق بعد أقل من ثلاثة عقود وتحديدا في الخامس عشر من مايو عام 1948.

المشروع الصهيوني المدعوم من القوى الاستعمارية والإمبريالية فيما بعد، بدأ بإقامة «إسرائيل» على الجزء الأكبر من فلسطين بموجب قرار التقسيم، لكن هذا القرار بالنسبة إلى المشروع الصهيوني ليس سوى محطة استراحة مؤقتة ذلك أن القرار لا يلبي إلا جزءا بسيطا من الأهداف الكبرى للمشروع الصهيوني، وهذا ما تأكد تماما إذ بعد أقل من عشرين عاما على صدور قرار التقسيم أطبقت «إسرائيل» على ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية وأضافت مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى سجلات إخوانهم الذين شردوا بعد قيام «إسرائيل»، ومع ذلك فإن المشروع الصهيوني لم يصل بعد إلى نهايته، حيث إن «إسرائيل» هي «الدولة» الوحيدة في العالم التي ترفض رسم حدودها الجغرافية وفقا لقوانينها ونظامها المعمول به، وهو ما يعني أن حلم الحدود من النيل إلى الفرات يبقى معشعشا في عقول دعاة المشروع الصهيوني.

الفكرة التي حاولت بريطانيا ترويجها عبر رسالة وزير خارجيتها آنذاك السيد آرثر جيمس بلفور إلى أحد زعماء الحركة الصهيونية (اللورد روتشيلد)، والتي أكد خلالها أن حكومته «تنظر بعين العَطف إلى تأسيس وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين»، هذه الفكرة مغلوطة تماما، فالعطف الذي تحدث عنه بلفور تجاه اليهود هو عطف بكل تأكيد جاء على حساب مصالح ومستقبل سكان فلسطين العرب تحديدا، وهذا «العطف» يخفي بين جنباته أهدافا مرتبطة بالعقيدة الاستعمارية البريطانية والتي تأكدت الآن بعد ترجمة هذه العقيدة إلى واقع من خلال إنشاء «إسرائيل» التي تمثل رأس حربة تفتيت التواصل القومي العربي، وتحولت إلى بؤرة نزاع دموي ضحيته الأولى أبناء الشعب الفلسطيني.

ففي الوقت الذي عملت فيه بريطانيا والقوى الاستعمارية والإمبريالية الأخرى على خلق الظروف الموضوعية والذاتية لإنشاء «إسرائيل» وتمكين ملايين اليهود من جميع أرجاء المعمورة من التدفق والعيش في فلسطين باعتبارها «وطنهم الموعود»، فإن هذه القوى تسببت في وقوع أكبر كارثة إنسانية تتمثل في تشريد الشعب الفلسطيني وحرمان الملايين من أبنائه من التمتع بوطن مستقل أسوة بباقي الشعوب، يحدث ذلك لأن هذه القوى لم تكتف بإنشاء «إسرائيل» فحسب، وإما مكنتها من أن تصبح فوق المساءلة القانونية والإنسانية رغم كل ما تقترفه من جرائم على مدى تاريخ وجودها حتى الآن.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news