العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

مقالات

قمامتنا كفيلة بإغناء فقرائنا

الأربعاء ١٥ مايو ٢٠١٩ - 01:15

 

تصور لو أن فردا ما قام في كل نهاية الأسبوع بإتلاف 20 دينارا ويضعها في كيس القمامة، ماذا سيقول عنه الناس؟ مختل عقليا أو أصابه الزهايمر المبكر، ومع استمراره بهذا التصرف قد يطالب البعض بضرورة إرساله إلى الطب النفسي لأن وضعه الصحي والعقلي لا يحتمل فهو يقوم بإهدار الأموال بينما هناك من هم في أمس الحاجة إليها.

ولكن ماذا لو قام بتغيير الطريقة؟ فبدلا من تمزيق العشرين دينارا ووضعها في القمامة يقوم بشراء مواد غذائية وبعد استهلاك جزء منها يقوم برميها في القمامة كفضلات لا حاجة له بها، ماذا سيقول عنه الناس؟ هل سيتهمونه بالجنون؟ أعتقد أن الأمر يعتمد على طبيعة وتقاليد وثقافة ووعي المجتمع، فالفرد أو المجتمع المثقف الواعي سينبذ تصرفاته وسيتهمه بنفس الصفات الجنون والزهايمر المبك، وسيضيفون صفات أخرى مثل الجهل والغرور، وقد يطالب البعض بإنزال العقوبة في حقه لأن تصرفه ينبذه العاقل وهو غير أخلاقي. فهناك مجتمعات ترفض بل تحرم مثل هذه التصرفات وتعتبرها منافية للأخلاق الكريمة، فرمي الأكل في الزبالة عادة كريهة في كثير من المجتمعات الراقية. القانون الفرنسي مثلا يمنع كل أشكال التبذير، ويعاقب المبذرين في استهلاك الأطعمة، ويلزم تربية الأطفال في المدارس على عدم التبذير ورمي الغذاء في المزابل. وفي ماليزيا وبعد أن أكدت دراسة أن المواطن الماليزي يبذر ما يقارب 1 كيلوجرام من الطعام يومياً قامت الحكومة بفرض غرامات على الزبائن الذين يسرفون في طلب كميات الطعام من المطاعم والفنادق.

كما قامت وزارة التجارة وشؤون المستهلك الماليزية بإطلاق برنامج جديد لبنك الطعام تحت اسم (بنك الطعام الماليزي) Food bank Malaysia لمعالجة مشكلة تبذير الطعام وإهداره في بعض المدن الماليزية.

أما في مجتمعنا الخليجي فالوضع مغاير تماما إذ إن التبذير والإسراف أصبحا أمرا طبيعيا في المنزل والمطاعم والمناسبات الاجتماعية والدينية، فرمي الغذاء في الزبالة بكميات هائلة ظاهرة تراها في كل مكان في القرى والمدن والمطاعم والجمعيات والمؤسسات الثقافية، تصرفات اعتادها المجتمع فهي لا تلفت الانتباه ولا يشجبها ولا يستنكرها إلا قليلون.

وبحسب البيانات فإن دول الخليج تتصدر العالم في التبذير إذ يبذر الفرد الواحد من مواطنيها ما يناهز 500 كيلوجرام من الأطعمة سنويا، وهو ما يتجاوز ضعف المعدل العالمي.

ففي السعودية فقط وصل حجم الهدر المائي إلى 173 مليار متر مكعب من الماء سنويا في حين وصلت كمية الهدر في الخبز والمعجنات إلى 35 بالمئة، وفي الأرز المستورد 30 بالمئة.

وعلى الرغم من التحذيرات المستمرة حول مخاطر وتكاليف هدر الغذاء، فإن الهدر أصبح عادة وثقافة يصعب وقفها والتغلب عليها. هذه العادة تغذيها التقاليد الاجتماعية التي تتحكم في أنماط الاستهلاك.

أعتقد أن الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في فلسفتنا ومفاهيمنا الاقتصادية فليس من المعقول أن تكون لدينا رؤية تهدف إلى الانتقال من اقتصاد قائم على الثروة النفطية إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة عالمًيا بينما ثقافتنا الاقتصادية تحتاج إلى ترميم وإعادة البناء. فالمحافظة على الثروة والانتقال إلى اقتصاد منتج تحتاج إلى عقلية تعرف ثمن هذه الثروة وتكاليف الهدر، وتدرك أن التطور لا يعني الإسراف ورمي الأموال في القمامة. فعندما نعرف ثمن ثروتنا سنعرف كيف نستخدمها ونحافظ عليها. الكرم العربي مثلا ليس عرض كميات ضخمة من أشهى الأطعمة والمشروبات لعدد قليل من المدعوين لتلقى بعد ذلك في القمامة.

الإسراف عادة سيئة للغاية، وهو مرض مزمن ينخر جسم المجتمع ويمنعه من النمو الطبيعي، وتفشي هذا المرض يعكس انحطاط المستوى الثقافي للفرد والمجتمع وهو مؤشر على الجهل بالمحافظة على المال والثروة والموارد، كما أنه من أكثر السلوكيات السلبية المُسبّبة للتخلف والفقر. الإنسانية وجميع الأديان السماوية تحرم الإسراف، وقد وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم المسرفين بصفةٍ سيئةٍ جداً؛ إذ قال إنّهم إخوان الشياطين، قال تعالى: «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا» وهذا دليل على أن التبذير عادة بشعة جداً لا يتحملها العقل ويجب مكافحتها، لأنها خصلة من خصال الجهل والغرور والكبرياء حيث يؤدي بصاحبه إلى طلب العلوّ في الأرض.

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news