العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

أثر الصوم في تهذيب الأخلاق (3)

الثلاثاء ١٤ مايو ٢٠١٩ - 10:39

د. علي أبو هاشم 

 الصوم جنة، أي: وقاية للنفس وحفظ لها من الشرور والآثام، ومن المعاصي والمحرمات، ويشبه الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم بالدرع الذي يحمي صاحبه وقع السيوف في القتال، ويحفظه من الأذى، فإن الصوم يحفظ المسلم من الانزلاق في المعاصي والشهوات، التي تُنقص إيمانه، وتجرح سلوكه وتُفسد أخلاقه، وتورده موارد الهلاك والبوار. وفي تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم الصوم بالدرع صورة بلاغية عظيمة، حيث شبه الرسول صلى الله عليه وسلم أثر الصوم في نفس المسلم، وهو أمر معقول بأمر محسوس، وهو حماية الدرع للابسه من الإصابة بالجروح والأذى البدني، لتتضح الصورة في ذهن المخاطب والسامع، كما جاء في الحديث عن سعيد بن أبي هند عن مطرف قال دخلت على عثمان بن أبي العاص فدعا بلبن فقلت: إني صائم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصوم جنة من النار كجنة أحدكم من القتال. رواه النسائي وصححه الألباني. وفي حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ، وَلاَ يَجْهَلْ وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ، أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي. الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. رواه البخاري. هذا الحديث يبرز القيمة الأخلاقية للصوم، ويجعل من الصائم إنسانا عفيفا نبيلا تحجزه فضائله وتمنعه شمائله أن يشارك في لغو، أو يرد على إساءة لأنه صائم، ومن ثم فهو إنسان رباني، لأنه يحجز لسانه عن كل إساءة وتطاول فلا يرد السيئة بالسيئة، ولا يسبّ ولا يتلفظ بكلمة نابية كل ذلك ابتغاء مرضاة الله، كما يمنع الصائم نفسه من كل لذة ومتعة يتمناها حتى ولو كانت مما أحله الله وأباحه في غير نهار رمضان، يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله، ولذا فإن الذي يتولى مكافأة الصائم هو رب العالمين، وهذه بشرى ما أعظمها من بشرى، وعطاء الله واسع بلا حدود. يقول تعالى: «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون» السجدة: 17، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي، أَمَّا وَاحِدَةٌ: فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ نَظَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَدًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ خُلُوفَ أَفْوَاهِهِمْ حِينَ يُمْسُونَ أُطَيِّبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ: فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُولُ لَهَا: اسْتَعِدِّي وَتَزَيَّنِي لِعِبَادِي أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيحُوا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَى دَارِي وَكَرَامَتِي، وَأَمَّا الْخَامِسَةُ: فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ لَهُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ فَقَالَ: لَا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْعُمَّالِ يَعْمَلُونَ فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وُفُّوا أُجُورَهُمْ. رواه البيهقي في شعب الإيمان. إن طبيعة الصوم تقتضي البعد عن كل خلق وضيع، وتأبى النزول إلى درك الجاهلين، ولا قيمة لصوم لا يرتقي بصاحبه إلى هذا المستوى، وذلك لأن الصوم ليس مظهرا سلبيا يكفي لتحقيقه أن يمتنع صاحبه عن الطعام والشراب. كلا.. إنه مظهر إيجابي ثمرته التقوى والاستقامة على طاعة الله تعالى، وما يقع فيه من حرمان وكبت للغرائز والشهوات يهدف إلى تدريب النفس وترويضها على الأخلاق الفاضلة وجماع أمرها، وقيادة النفس والاستعلاء على شهواتها وملذاتها، والسيطرة على أمرها، ليكون ذلك منطلقا إلى السيادة والقيادة في الحياة، وهذه هي وظيفة الأمة المسلمة، وظيفة القيادة والريادة والسيادة. يقول تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا». سورة البقرة: 143. أيها المسلم الكريم: إنك بالصوم إنسان تملك زمام شهواتك، وتسيطر على انفعالاتك وغضبك، فلا تشتم ولا تسبّ، ولا ترد الإساءة بمثلها، إنه صبر يقود إلى صبر، ونصر يقود إلى نصر، ليكف المسلم عن كل سوء وشرّ وإثم، ويتحقق لها النصر في كل ميادين الحياة، وكل مواقف الجهاد. «ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله. ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم». الروم: 4-5، وليتذكر الصائم دائما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». رواه: البخاري، وهكذا تتأثر النفس بالصوم وترتقي في مجال الفضيلة، والتحلي بمكارم الأخلاق، وهذا ما يطلبه المسلم ويرجوه، فيعمّ الخير في المجتمع، وتندثر السلوكيات السلبية التي تعاني منها المجتمعات، ولذا فإن الصائم الذي يرتقي بصومه في سلوكه وأخلاقه لا يجعل يوم صومه وفطره سواء، بل تظهر عليه السكينة والوقار، فإن تحقق له ذلك واستطاع أن يقهر في نفسه غرورها وعنفوانها صح صومه، وكان صومه له جنة ووقاية من المعاصي والآثام، وكان حريا أن يبلغ درجة التقوى التي هي الهدف الأسمى من الصيام كما قال تعالى «لعلكم تتقون».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news