العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير /9
«... واضرب لهم مثلاً رجلين...»

الثلاثاء ١٤ مايو ٢٠١٩ - 10:38

بقلم : عاطف الصبيحي  

أثناء دراستنا, كنا نقرأ بعض المقاطع القرآنية التي يسهُل قراءتها نسبياً, وفي الوقت نفسه نقرأ الأدب العربي الحديث, لنقارن بين اللغة العربية الفُصيحة واللغة العربية الحديثة, لنجد أن لغة القرآن تعلو على أي مقارنة. «موريس بوكاي» هو طبيب فرنسي مسيحي كاثوليكي أسلمه عقله إلى الإسلام واعتنقه, بعد قراءة الكتب المقدسة عند اليهود والمسلمين, وكما قلنا في المقال السابق فإن كلمات مثل هؤلاء لها رنين خاص يرقص لها القلب طرباً, نتائج وخلاصات الدراسة والبحث قادتهم الى قول ما قالوا, يبتغون الحقيقة ولا شيء غيرها, لذا فالاعتداد بقول هؤلاء القوم له من الوجاهة ما له. لا شك أن الأدب العربي فيه جمال وبيان يكاد يخلب الألباب, لكن بمجرد عقد مقارنة بين المُنتج العربي بشعره الخلاّب ونثره الجذّاب مع القرآن الكريم, لا تفتأ المقارنة تُحسم لصالح القرآن, فلا تصمُد, لبلاغته وصوره العجيبة وتأثيره على النفوس, وهذا ما قال به الدارسون لرسالة محمد عليه السلام, حيث إن الرسالة في بداية عهدها بشكل خاص كان القرآن هو العامل الحاسم في جذب النفوس, وليس شخص الرسول نفسه, فهو عليه السلام كان لا حول له ولا قوة في مهد الدعوة, ثم قويت شوكة الإسلام بالقرآن وبنفوس حاملي القرآن، وعلى رأسهم سيدهم وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

موريس بوكاي لا أظنه اطلع على القرآن إلا اطلاع المتأني وقرأه قراءة المُنقّب, فاستوقفته صوره وتشبيهاته الراقية بلاغياً, الدقيقة تصويرياً, الجميلة فنياً, المختزنة لقيم تهتز لها الأرواح والأبدان معاً, فمن يطّلع على قصة صاحب الجنتين الواردة في بعض آيات من سورة الكهف التي نتلوها كل يوم جمعة, يستطيع أن يتلمس الجمال الفني في التصوير والتشبيه, والسرد القصصي المُختصر غير المُخل, والذي يعبر من خلاله إلى هدفه بأيسر الآيات, يقول الله تعالى «واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من نخيل وأعناب وحففناهما بنخلٍ وجعلنا بينهما زرعاً, كلتا الجنتين آتت أُكلها ولم تظلم منه شيئاً, وفجّرنا خلالهما نهراً, وكان له ثمر».. وصف تصويري للجنتين بديع يكاد المرء يرسم صورة الجنتين بأشجارهما وثمارهما وسياجهما من النخيل وجريان النهر وحوله من الزرع النباتي يزين أرض الجنتين وتربتهما باللون الأخضر أجمل الألوان على الإطلاق, هذا الوصف المُتحول في الذهن إلى صورة حية توطئة لتقرير حقيقة بعض الناس المُنكرين للنعم, الذين يصيبهم الغرور والكِبر, عندما تجتمع بين أيديهم الأموال, مما يدفعهم الى حد الشِرك بالله, بدل الشكر على النِعم والرزق الوفير, نقول شِرك لأنه أراد تثبيت صفة لا تجوز إلا لله فوصفه صاحبه بالشرك, ظنّه أن الجنتين دائمتان وقوله «لا أظن أن تبيد هذه أبداً» تأبيد وتخليد لشيء هالك، وكلمة أبدا «تعني الأبدية السرمدية التي لا يتخللها فسحة أو برهة انقطاع, وهذا اعتقاد لا ينبغي إلا لله فهو السرمد الأبدي الأول والآخر الظاهر والباطن, وهذا هو الفرق بين و«الأمد» «الأبد» فالأمد آيل إلى الزوال مهما طال الزمن كقوله تعالى: «... تود لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيدًا» 30 آل عمران لا بد لنهاية للأمد, كما يتضح من الآية الكريمة.

«أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفراً» هذا أحد تمظهرات العتوّ وانتهاج الوسيلة الخاطئة على توافر النِعم «ودخل جنته وهو ظالم لنفسه» لأنه منح الأبدية والثبات للجنتين, فجاءه رد صاحبه الثابت على يقينه, القانع بما لديه على قلته, الموحد المطمئن بتوحيده, ليردّه عن غِيّه وظلمه لنفسه, فوصمه بالكفر وأنِف على نفسه أن يُشرك ويكون ظالما لنفسه كصاحبه, مُستحضراً الأصل الوضيع للإنسان «أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلاً»، وحمّل رده لصاحبه قدرات الله في ثلاث محطات هي التراب والنطفة, والمرحلة الطويلة حتى صار رجلاً يملك جِنانا وثمارا تخترقها الأنهار وتشيع فيها الزروع, حجة رادعة قوية صادمة ليؤوب إلى رشده, فصدّه صاحبه، وهذه شيمة المتعالي المغرور بالعارية التي بين يديه, فهنالك دعا ربه أن تُصيب الجنتين صاعقة لتصبح أثراً بعد عين, ويغور ماؤها في باطن الأرض, وقد كان له ما أراد.

هذه صورة لا تخطئها العين في كل المجتمعات وكل الأوقات, متكررة بتكرار الأيام والليالي ليكون المثل حاضراً كموعظة وتكون صوره المُتخيلة رادعة عن الاغترار بالأموال والبنين, هذه صورة جدير بنا أن نحياها في كل حياتنا لنسير على الجادة ونكون من الشاكرين الخاضعين لأنُعم الله. وشهر رمضان مناسبة عظيمة لهذا.  

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news