العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في الاقتصاد والتجارة
رسول الله يسافر خارج مكة للتجارة

الثلاثاء ١٤ مايو ٢٠١٩ - 10:34

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

مازلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرتحل في عالم التجارة، فهو يسافر إلى مناطق من العالم، بعيدًا عن مكة.

وفي السفر أيضًا فوائد كثيرة يصعب حصرها هنا إذ إن السفر يمنح الإنسان حالة من الاسترخاء وتُسهم مشاهدة الأمكنة الطبيعية الجميلة في تغيير حالة الإنسان وصفاء ذهنه، ويمد الإنسان بالشّجاعة اللازمة للمغامرة، كما يستخرجُ الإبداع الذي بداخله مما يؤثِّر إيجابًا في شخصيّته، ويُثري معلوماتِ الإنسان ويزيدُ من اطّلاعه على العديد من الثقافات الجديدة، وكذلك يُكسب الإنسان مهاراتٍ جديدةً، وذلك عبر اختلاطه بالكثير من النّاس من مُختلف الثّقافات مما يفتح الفرصة له لتعلّم وتبادل المهارات والخبرات في مُختلف المجالات، ويخلقُ اهتماماتٍ جديدة للإنسان، فحين يطلّع الإنسان على ثقافات الشّعوب الأخرى قد يهتمّ لأمرها ويُتابع شغفه وحُبّه في معرفة المزيد عنها فيبحثُ عنها وعن أصولها، وربمّا ينتهي به الأمر دارسًا أو باحثًا في هذه الثّقافات، بالإضافة إلى أن السفر يُطلق مواهب الإنسان ويكشفُ أفضل ما فيه؛ وذلك بسبب ابتعاد الإنسان عن مُحيطه الذي تحكمه عاداتٌ وتقاليد مُعيّنة، مما يفتح له المجال لتجريب أمور جديدة، فضلاً عن تعرّف الإنسان على ثقافات مختلفة عن ثقافته الأصلية، الأمر الذي يزيد من فرص اكتشاف مواهبه.

وكذلك يتعلّم الكثير من الأخلاق كخُلق التّسامح؛ إذ تخرجُ العنصرية في غالب الأمر نتيجةَ جهلٍ عميق بأفكار الشّعوب الأخرى وثقافاتها، فيأتي السّفر لتكون الفرصة التي تكسر هذا الحاجز بين الإنسان وهذه الثقافات، فتمنحه الفرصة لفهم طبيعتهم، ومن ثمّ التعامل معهم بكل أريحية وتسامح من دون تغليب أحكامٍ مسبقة مُتعصِّبة. يقول الكاتب الأمريكيّ مارك توين: «السفر يقتل الانحياز، والتعصب الأعمى، وضيق الأفق، ولهذه الاعتبارات فإن الكثيرين ممن نعرفهم يحتاجون إليه بشدة».

وبالإضافة إلى ذلك فإنه يزيد من مرونة الإنسان في التّعامل مع الآخرين، وقوانين البلدان، والعادات والتّقاليد الخاصة بالثّقافات الأخرى التي لم يتعرّف إليها سابقًا، فيمنحه قدرةً على التكيّف مع كلّ هذه المُتغيِّرات، ويُعزّز استقلالية الإنسان؛ حيثُ يمنحُه فرصةً ليعتمدَ على نفسه ويتّخذ قراراته ويحلّ مشاكله بعيدًا عن أيّ تأثيراتٍ أخرى، كما يزيد من قدرة الإنسان على التّعامل مع التحديّات التي تعترض طريقه، مما يُكسبه خبرةً لا تكسبه إياها أي فرصة أخرى.

وأيضًا يزيدُ من تركيز الإنسان، ويُحسِّن أداءه، حيثُ أثبتت دراسةٌ في مجلّة علم النّفس البيئي أنّ تركيز الأفراد وأداءهم يتحسّن إذا قاموا بمشاهدة منظر طبيعي لفترة زمنية مقدراها 40 ثانية فقط، ومن المعلوم أنّ الإنسان في السّفر يُشاهد الكثير من هذه المناظر ولفتراتٍ طويلة.

هذا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استفاد من كل ذلك، بالإضافة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتعامل مع كل هذا فحسب وإنما كان يتعامل مع المال والنقود والبضائع والمعاملات الرياضية والحساب والجمع والطرح وما إلى ذلك، وحتى إن كانت العمليات الحسابية بسيطة فإنها حتمًا ستحتاج إلى عقلية رياضية بطريقة أو بأخرى حتى ينجح الإنسان في مهماته المكلف بها، ومن جانب آخر فإن الذي يتعامل مع المال والتجارة وتلك المبالغ الطائلة -حسب ذلك الوقت- يربيها ويضاعفها لهم ويعيدها إليهم -أي للتجار- بأرباحها من غير أن يمدّ يديه ويأخذ منها من غير وجه حق، كانت كفيلة بأن تجعل منه إنسانا من نوع آخر، إنسانا يتعامل مع كل هذه المعطيات بأريحية تامة، فكان هو صلى الله عليه وسلم ذلك الإنسان، لذلك وجد القبول في مجتمع التجار كما وجده سابقًا في مجتمع الرعاة والمجتمع المكي، وكان من نتيجة ذلك أن عرضت عليه السيدة خديجة رضي الله عنها الزواج، فإن لم يكن بكل تلك المهارات وكل ذلك الصدق وتلك الأمانة، فهل يمكن لسيدة من أواسط القبائل نسبًا وحسبًا وثراءً أن تعرض عليه الزواج وهي لا تعرف عنه في تلك اللحظة إلا تلك الأخلاق والقدرات والمهارات، فهي لا تعرف ولم يكن أحد يعرف أنه سيكون نبي هذه الأمة.

ولا نعرف عدد الرحلات والسفرات التي قام بها صلى الله عليه وسلم، فكتب السيرة النبوية تختلف نوعًا ما في تحديد ذلك، ولكن المرجح أنهما سفرتان إلى الشام، فالأولى عندما رافق عمه أبا طالب والتي صادف أنه التقى فيها بحيرة الراهب، والثانية عندما خرج في بضاعة للسيدة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.

ولكن تتفق كتب السيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتاجر في أسواق مكة ويغشى الأسواق العربية المحيطة بمكة كسوق عكاظ وغيرها من الأسواق التي ذكرناها سابقًا، وقد كانت هذه الأسواق وهذا العالم التجاري ذا أثر في استفادته صلى الله عليه وسلم من تجارب من يكبرونه سنًا، كما فتحت أمامه المجال للمناقشة والحوار والمشاركة في إبداء الرأي بين المتخاصمين والقضاء على مسببات الضغينة لحقن الدماء. وكان الرسول صلوات الله وسلامه عليه سعيدًا بالاستماع إلى المناظرات التي تدور بين القبائل العربية، بالإضافة إلى سماع المعلقات، ومسابقات الشعر ليفيد منها بعد ذلك معرفة بأحوال العرب وحسن التحدث مع الناس ومناقشتهم في جميع أمورهم الحياتية.

وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «التاجر الأمين الصدوق مع النبيين والصديقين الشهداء» كما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري. وعندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط عن ابن عمر. 

وهذه الأحاديث والكثير من الأحاديث النبوية الشريفة مؤشر مهم على مدى أهمية التجارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news