العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تداعيات العدوان الإسرائيلي على غزة.. وجهة نظر غربية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ١٤ مايو ٢٠١٩ - 01:15

اندلعت الأعمال القتالية بين فصائل المقاومة في غزة، وجيش الاحتلال الإسرائيلي في 3 مايو إلى حد غير معهود منذ حرب 2014. والتي انتهت بعد 3 أيام فقط بواسطة كل من الأمم المتحدة، ومصر، وقطر، لوقف إطلاق النار، مخلفة وراءها استشهاد 20 فلسطينيا، ومقتل 4 إسرائيليين.

 واتجه بعض المحللين إلى اعتبار الأحداث الأخيرة تهديدًا بتكرار سيناريو غزة 2014. غير أن آخرين اعتبروا أن الأحداث تفتقر إلى خصائص أزمة ما قبل الصراع، فلا رغبة لدى الجانبين للدخول في حرب واسعة النطاق.

وأشارت صحيفة الأيام الفلسطينية إلى أن هذا العدوان «يأتي بعد 13 عاما من الحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على القطاع، وبعد 12 عاما من حكم حماس، وبعد عامين من الإجراءات القاسية التي فرضتها مالية رام الله على جزء من موظفي القطاع، وبعد أسابيع قليلة من قمع حماس للحراك الشعبي الذي انطلق في شوارع غزة، تحت عنوان «بدنا نعيش»؛ أي بعد أن تدهورت الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية في القطاع إلى مستويات خطرة».

ولتسليط الضوء على التوجهين لا بد من فهم أسباب الصدام؛ لتقييم احتمال نشوب حرب أخرى من عدمه، والتي تمثلت في: 

أولاً: كسر الحصار القائم، فإطلاق الصواريخ بين الحين والآخر على إسرائيل له جدواه، لانتزاع تنازلات تخفف الحصار على غزة، كما أنه يعد داعما لشرعية «حماس» بين الفلسطينيين، فتظهر بصورة المدافع عن القطاع، وعنصر المقاومة ضد الاحتلال، ومن ثم تحصل على الدعم المرغوب لسياستها.

 ويؤكد «نيري زيلبر» زميل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى في مجلة «فورين بوليسي» أن حماس «حاولت كسر الحصار القائم منذ 12 عامًا على القطاع الساحلي من خلال الاستخدام المدروس للعنف؛ أي التفاوض عبر الصواريخ لانتزاع تنازلات من جانب إسرائيل».

وهو النهج الذي نجح سلفًا في تخفيف الإسرائيليين قبضتهم على القطاع، ففي أعقاب احتجاجات «النكبة» عام 2018 وافقت إسرائيل على توسيع منطقة الصيد في غزة من 6 إلى 15 ميلا بحريا، وسمحت لقطر بنقل المساعدات إلى حماس التي تعاني من ضائقة مالية في خطوة غير متوقعة.

وبالفعل بعد أحداث الشهر الجاري تعهدت الدوحة بتقديم 480 مليون دولار أخرى كمساعدات لغزة والضفة الغربية ، وصرح «إهود يعاري» زميل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى لصحيفة «نيويورك تايمز» بأن حماس «لديها رغبة لمحاولة تمديد الشروط وتحسين ما يحصلون عليه من خلال استعراض قوتهم».

ثانيا: استغلال القيمة الرمزية للهجوم، فقد اختارت المقاومة الفلسطينية شن هجمات صاروخية في هذا الوقت تحديدًا استغلالاً لمصادفة الهجوم ليوم قيام دولة إسرائيل المسمى زورًا بيوم «الاستقلال»، ومن ثم كسر رمزية اليوم، بالإضافة إلى عدم جاهزية إسرائيل لأي صدام في ظل تنظيمها مسابقة الأغنية الأوروبية في تل أبيب، التي تقع فقط على بعد 44 كم فقط من القطاع، ولذلك كانت إسرائيل مستعدة للتفاوض على السلام، لمنع الهجمات من تقويض مكانتها أمام متابعي الحدث حول العالم، وهو ما عبر عنه «شالوم ليبنر» زميل المجلس الأطلسي بقوله «التقاء الأحداث مع الأجندة الوطنية لإسرائيل».

وانقسمت آراء المحللين حول ما إذا كانت ستتحول الأحداث إلى حرب كما حدث في عام 2014. أم أن وتيرة الأحداث لن تتسارع بالشكل الذي يعقد الأمور أكثر، ولكل رأى منهما وجاهته حيث: 

اتجه الرأي الأول إلى شدة الهجمات المتبادلة بين الطرفين، وبغض الطرف عن أن عدم وقف إطلاق النار سيدفع بالضرورة إلى نشوب الحرب، فلقد أطلقت المقاومة في عام 2018 كاملاً 1000 صاروخ على إسرائيل، في حين أطلقت ما يصل إلى 700 صاروخ في عطلة نهاية الأسبوع وحدها تلك المرة، وردًا على ذلك شنت إسرائيل أكثر من 300 غارة جوية وبدلا من قصف المباني الفارغة اتجهت إسرائيل إلى قصف المدنيين، وقالت مجلة «الايكونوميست» في تقرير لاحق عن الوضع: «ما كان مختلفا هذه المرة كان شدة الهجوم من الجانبين».

ويؤكد طارق بقعوني المُحلل بمركز الدراسات الدولية للأزمات في تقرير «مجموعة الأزمات الدولية» إن قواعد التوازن الدقيق التي تبناها كلا الطرفين في الاشتباكات الماضية بدا معها كل منهما أقل مراعاة لها في هذه الجولة، لقد أدى مقتل مواطنين إسرائيليين إلى زيادة الضغط على بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي للرد، ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد وقف إطلاق النار إلى أن يقول: «الحملة لم تنته وتتطلب الصبر والحكمة»، معلنًا أن إسرائيل مستعدة لاستئناف القتال، كما استخدمت إسرائيل عمليات الاغتيالات باغتيالها القائد في حركة حماس «حامد الخضيرى» ما سيدفع الأخيرة إلى الرد وبقوة. 

وبات واضحًا وجود دوافع قوية لدى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لاستئناف الصراع، وتصعيد الموقف أكثر نحو حرب يطول مداها، وهو ما ينطبق بشكل خاص على إسرائيل نتيجة لتصاعد الضغوط العامة والسياسية للعمل بقوة أكبر ضد حماس، فهناك انتقادات واسعة للحكومة الحالية لعدم اتخاذها قرارا بعمل غزو بري لقطاع غزة.

ويؤكد «برنارد أفيشاي» في مقال «ذا نيو يوركر الأمريكية» أن: «نتنياهو يقود مفاوضات مضنية لتشكيل ائتلاف حاكم، بما فيه افيجدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا القومي المتطرف، المرجح توليه حقيبة وزارة الدفاع الإسرائيلية، والذي دعا في غير مرة إلى غزو قطاع غزة بريا لإسقاط حماس».

ونقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن الجنرال «بيني غانتس»، دعوته إلى «زيادة حدة الهجمات على غزة، والضغط على القطاع لاستعادة الردع الذي تبدد في السنة الأخيرة، «من دون الخضوع لسياسة الابتزاز الذي تمارسه حماس علينا»، وفي المقابل العمل على التحرك في المسار السياسي، وتقديم ضمانات لمستوطني غزة بأن يتم توفير الحماية لهم «هذه مسؤولية الحكومة توفير مزيد من ظروف الحياة المريحة في غلاف غزة».

وتستفيد إسرائيل من هجمات حماس بإعطائها مبررًا لعدم التفاوض مع الفلسطينيين، بزعم أنها لن تتفاوض مع «إرهابيين»، وكتب الدبلوماسي الأمريكي «آرون ديفيد ميلر» في مجلة «فورين آفيرز الأمريكية» أنه «بالنسبة إلى نتنياهو، فإن حماس تعتبر عائقًا ضد وجود حركة فلسطينية موحدة قادرة على إدارة مفاوضات جادة للتوصل إلى حل الدولتين، وعلى الرغم من أن نتنياهو لا يريد الاعتراف بذلك، فإن إسرائيل وحماس بحاجة إلى بعضهما».

واتجه الرأي الثاني إلى تجنب الطرفين الدخول في حرب، فرغم الضغوط إلا أن «نتنياهو» المنتمي إلى تيار اليمين، والمعروف بعدائيته، دعا إلى تجنب الدخول في حرب أخرى كحرب غزة 2014 التي ثبت فيها فشل استراتيجية الدفاع الإسرائيلية وأضرت بسمعة إسرائيل دوليا.

وتتخوف إسرائيل من تبني طرق أكثر عنفًا فيما يتعلق بمكافحة حماس والجهاد الإسلامي، فلا تميل إلى شن هجوم واسع النطاق يتم الإطاحة فيها بحماس، ما ينتهي بالضرورة بنشوب صراع عنيف على السلطة بين مختلف الفصائل الفلسطينية.

 إن فراغ السلطة سيوفر المزيد من عدم الاستقرار على طول الحدود الغربية لإسرائيل، وأشارت مجلة «الا يكونوميست» إلى أن «رئيس وزراء إسرائيل لا يريد أن يغزو القطاع لإزاحة حماس عن السلطة وذلك بالنظر إلى حالة عدم اليقين بشأن من سيحل محل حماس».

وبالنظر إلى القدرات اللوجستية والسياسية، فلا يتوقع قدرة إسرائيل على اجتياح القطاع إن أرادت، وهو ما مال إليه «شالوم ليبنر» في مركز مجلس الأطلسي في قوله «إن الموارد التي تتطلبها مثل هذه العملية - عملية اجتياح غزة – فضلا عن الاستيلاء على غزة على نطاق واسع - والخسائر التي ستنتجها، تشكل عامل ردع هائل. كما يتوقع ألا يكون للغزو شعبية سياسية واسعة، على المدى الطويل لأن فصائل المقاومة سترد بهجمات طويلة ومدروسة ما يلحق بإسرائيل خسائر فادحة في الأرواح البشرية والموارد الحكومية على حد سواء».

وستمنع هذه المخاوف والعوامل الرادعة اندلاع الحرب بين الجانبين، مع استمرار وتيرة الاضطرابات الحالية بنفس مستواها، لتتخللها فترات قصيرة من السلام. وفي هذا الصدد، يؤكد «أوليفر هولمز» و«حازم بالوشا» المراسلان بصحيفة «الجارديان» البريطانية أن «أعمال العنف وإطلاق النار بين الجانبين يعقبها نمط تم تبنيه على مدار العام الماضي، حيث بدأت عمليات تبادل للأسرى على أساس دوري بوساطة القاهرة والأمم المتحدة». 

وبصفة عامة، فإن التصعيد في المشهد الراهن بين حركات المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، لن يمثل بداية حرب جديدة، «فنتنياهو» صاحب القرار النهائي في الشأن العسكري لا يزال يناهض فكرة الدخول في حرب، رغم مصلحته في استمرار وتيرة الصراع الحالي تخفيفًا عنه للضغط الداخلي من تياره اليميني، ورغم أن الحرب لا تزال نتيجة محتملة، فإنها ليست النتيجة التي يسعى أي من الطرفين إلى تحقيقها بأي حال. 

وليس بخفي أن أي تصعيد وإن بدأت به المقاومة هو رد على جرائم الاحتلال بحق أبناء الشعب الفلسطيني، ووارثي الأرض، وأصحابها، في ظل صمت المجتمع الدولي الذي جاوز المدى، كما أن أي حلول مستقبلية للقضية، لا مفر لأن تبدأ بوقف إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل وإلزامها باحترام المعاهدات والاتفاقيات والقرارات الدولية وضمان حق الفلسطينيين في الحياة وإقامة دولتهم كما شعوب العالم. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news