العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

تابع مشكلات الدعوة في العصر الحديث.. (2) خطبة الجمعة

الاثنين ١٣ مايو ٢٠١٩ - 10:18

ثالثا ـ التعصب المذهبي:

من المشكلات التي يقع فيها الداعية (بصفة عامة) وخطيب الجمعة (بصفة خاصة) التعصب المذهبي.

المذاهب الفقهية عبارة عن مدارسَ لفهم النصوص، وليس معنى ذلك أن كلام أحد أصحاب هذه المذاهب هو الحق الذي لا حق بعده، فقد يستدرك عليه أحدُ أصحاب المذاهب الأخرى خطأه، وقد يستدرك هو على نفسه الخطأ ويَعدِل عن رأيه متى تبين له بالدليل أنه قد أخطأ، أو قد يُغيّر كثيرًا من مذهبة نظرًا إلى اختلاف البلد أو الأعراف والعادات.. تمامًا كما فعل الإمام الشافعي حين انتقل من العراق إلى مصر وهو ما نسمعه كثيرًا ونقرؤه: قال الشافعي في القديم (أي في مذهبه القديم بالعراق)، وقال في الجديد (أي في مذهبه الجديد بمصر).

ومن الدعاة والخطباء من يتعمد إظهار الخلاف بين المذاهب الفقهية، وينشئ حربًا بينها، والحاصل أن الخلاف بين المذاهب ظاهرة صحية، وأن الفقهاء القدامى كانوا يُقدّرون ما كان ينتهي إليه إخوانهم من اجتهاد.

ولقد كان الاختلاف موجودًا على عهد الصحابة الكرام أنفسِهم وعهد السلف الصالح رضي الله عنهم ومَن بعدهم ومع ذلك لم يكن يومًا مَدْعاة للتعصُّب أو التباغض بينهم، وكان الغرضُ من اجتهادهم إصابة الحقِّ واختيار الأوْلى؛ ولذا كان بعضُهم يعذر الآخَر فيما اختلف فيه، ولا ينتقض له رأيًا أو يُنقص له قدرًا.

فقد يكون الخطيب متعصبًا في مسألة مّا إلى رأي بعينه متجاهلاً عقول المئات أو الألوف التي تستمع إليه غير آبهٍ لميولاتهم.

وأشهر مثال على ذلك (التمذهب الفقهي)، فقد يكون الخطيب متعصبًا لمذهب فقهيّ بعينه معاديًا لغيره من المذاهب فتراه مصادمًا لهم في كثير من المسائل الجزئية، والمعلوم أنه (لا إنكار في المختلف فيه).

وفي مثل ذلك يقول الشيخ الغزالي: «عندما كنت مديرًا للمساجد، وَصَّيْتُ الخطباء فقلت: إذا رأيتم من دخل المسجد أثناء الخطبة يصلي ركعتي التحية فلا تجلسوه، وإذا رأيتموه جلس دون صلاة فلا تنهضوه للصلاة.. ونحن في توصيتنا لعلماء المساجد نرفض التعصب المذهبي ونمنع فتنًا سخيفة، فمن تابع أبا حنيفة ومالكًا فليتبعهما، ومن تابع الشافعي وأحمد فليتبعهما..! ومازلت أوصي الخطباء بذلك، وأرفض الزعم بأن نصف الأئمة خالف السنة الواردة، قد يكون خالف فهمنا للسنة الواردة وله حقه غير منكور، وللجميع أجرهم إن شاء الله» (1).

قال ابن تيميَّة: «وجمهور المتعصِّبين لا يعرفون من الكتاب والسُّنة إلا ما شاء الله، بل يتمَسَّكون بأحاديثَ ضعيفةٍ، أو آراءٍ فاسدة، أو حكاياتٍ عن بعض العلماء والشُّيوخ قد تكون صِدقًا، وقد تكون كذبًا، وإن كانت صدقًا فليس صاحِبُها معصومًا، يتمسَّكون بنقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، ويَدَعون النقل المصدق عن القائل المعصوم، وهو ما نقله الثِّقات الإثباتُ من أهل العلم، ودوَّنوه في الكتب الصِّحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم»(2).

رابعا ـ سطحية الثقافة والبعد عن الأصالة:

على الداعية أن ينهل من ينابيع الإسلام الصافية؛ وهي القرآن والسنة وتطبيقاتها العملية وهي السيرة النبوية وأن يكون معتمَدُه ابتداءً عليها.

ولا بأس أن يعتمد في شرح هذه المصادر وإيضاحها على المصنفات العلمية التي توضح ما يلتبس عليه؛ وبهذا تتكون الفكرة الصحيحة للإسلام عقيدة، وشريعة وأخلاقًا، ومن هنا يؤثر الداعية في الناس انطلاقا من ثقافته الشمولية المتنوعة. 

أما إذا ظل الأمر على ما هو عليه فإن هؤلاء الدعاة سيُنشؤون جيلا مفرَّغًا، ساذج الرؤية والهدف، يفتقر دائما إلى المناعة الإيمانية والحصانة العقائدية.

خامسا ـ مداهنة المدعوين:

إن محاولة إرضاء الجمهور في الدعوة عمومًا وفي الخطبة بصفة الخصوص على حساب ما يعتقده الخطيب من صوابٍ، يُفقد الخطيبَ مصداقيته وهيبته أمام الناس، وكذا مبالغته في إطراء ومدح البعض منهم.

والخطيب إذا كانت خطبته مليئة بالتمجيد والمدائح والثناءات على بعض من يراهم ذوي أهمية في المسجد فإن رائحة هذا التملق والنفاق ستصل حتمًا إلى بقية المستمعين، وحينها سيفقد مصداقيته واحترام الناس له مهما تكن درجة علمه.

لقد اعترض القرآن الكريم على الدعاة الذين يركنون إلى بعض الوجهاء لمجرد أنهم أقوياء، أو لأن بينهم وشيجة قربى أو صلة نسب أو ما هو أقوى من ذلك وهي صلة الأبوة أو البنوة.

يقول تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أو أَبْنَاءهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ) (3). 

فلا بد إذن أن يُروِّض الداعية نفسه على سلوك الطريق السويِّ والتزامه به، وأن يصارح المدعوين بالأخطاء التي تصدر منهم، وتجنب وقوعها مستقبلا، وتوفير الثقة فيما بينهم، وللحيلولة دون الظنون والشائعات في المجتمع حتى تنجح دعوته. 

(يُتبع)

(1) الشيخ/ محمد الغزالي: دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، ط1، دار نهضة مصر، ص83.

(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوي (2/ 254).

(3) سورة المجادلة، آية 22 .

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news