العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير /8
«... إذ أقسموا ليَصْرِمُنّها مُصبحين، ولا يستثنون»

الاثنين ١٣ مايو ٢٠١٩ - 10:17

بقلم: عاطف الصبيحي 

صورة متجددة ما دامت هناك شمس تُشرِق، ومثل لا يخلو منه زمن من الأزمان، وحاضرًا في كل مكان، مثل أصحاب النِعم التي منَّ الله به على عباده، في الدنيا، فيقرر العبد الاستئثار بكل ما آتاه الله من الخير، ونحن أمام المثل القرآني مباشرة، أمام أصحاب الجنة، وهي يانعة مُثمرة، وأصحابها يُبيتون بليل بهيم أمر عقيم بشأن جنتهم، فعقدوا العزم على حرمان الفقراء الذين كان لهم حظ من تلك الجنان، الأثرة وحُب الذات خيّم على عقولهم، فقرروا حرمان أولئك الفقراء، فيجعل الله منهم مثلاً يُتلى ما دامت الحياة قائمة على وجه الأرض، فيقول سبحانه وتعالى «إنّا بلونا أصحاب الجنة، إذ أقسموا ليَصْرِمُنّها مُصبحين، ولا يستثنون».

بيتوا نية السوء، نية الكُفر بالنعمة، وقبل إشراقه الشمس كان التدخل الإلهي قد فعل فعله في جنتهم، فصوّره الله تعالى بأبدع تصوير وكأنه شيء خفي يغافلهم ويأتي على مالهم الذي يحبون، حيث قال عز وجل «فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون», ناموا وهم يتعجلون شروق الشمس والطائف الرباني قد أعد لهم من سوء المشهد ما يناظر سوء النية التي بيّتوها في صدروهم، «فأصبحت كالصريم» وهم في نومهم يغطون، وما إن انقشعت عتمة الليل حتى «فتنادوا مُصبحين» فرحين بما خططوا له «فقالوا يتحادثون» أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين وهم يتقدمون إلى ثمارهم ما زالوا سادرين في غيهم وعاقدين العزم على حرمان المساكين «ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين» والمسكين عند بعض أهل اللغة هو من أسكنه وأقعده مرض ما أو علة عن تحصيل قوته، فسُميّ مسكين، وهؤلاء يريدون حرمان هذه الثلة المعوّقة بمصطلح اليوم من رزقهم الذي كان يجري لهم قبل ذلك، ولكن «وغدوا على حردٍ قادرين» والصورة مختزنة بالآية التي تليها بقوة ودقة، «فلمّا رأوها قالوا إنّا لضالون» حسبوا أنفسهم أنهم ضلّوا الطريق من هول المفاجأة التي كانت تنتظرهم، وقُضي الأمر الذي كادوا له، بكيد متين لا طاقة لهم به ولا قوة، فأصبحوا عاجزين.

وأُسقط بيدهم، وخرج صوت من بينهم واضعًا يده على العلة والعلاج في آن واحد «قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون» صوت رحيم يصدح بين مجرمين، فما توانوا بالاعتراف فخرجت منهم وكأنها لا إرادية لانعدام الحيلة أمام المشهد العقابي «قالوا سبحان ربنا، إنا كنا ظالمين» آلأن حصحص الحق؟! ولا تتوقف الكاميرا عن تصوير الهزات الارتدادية للعذاب النفسي الذي غشيّهم، فوجهوا سِهام النقد واللوم لبعضهم البعض «فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون» وتُستدل الستارة على المشهد بترك التلاوم والاعتراف بخطيئتهم «قالوا يا ويلنا إنا كنا خاطئين» ويعودوا عودة الذي لا طريق له إلا طريق الرجاء والدعاء والطلب من الله بعد الاعتراف بأن يُبدلهم الله خير من جنتهم التي أذهبوها بنكيرهم الذي أحدثوه لا لشيء إلا لحرمان من لا قوت لهم «عسى ربنا أن يُبدلنا خيرًا منها إنا إلى ربِّنا راغبون».

يا ليتنا نضع هذه الآيات نصب أعيننا، ونحن في بواكير هذا الشهر الفضيل، شهر المساكين والمحتاجين، لنُدخل السرور على قلوب أضناها الفقر وهم ينظرون لهذا الشهر بأنه مناسبة للحصول على حقهم من مال الله الذي آتاه لعباده، فهلّا جعلناهم في مقدمة أولوياتنا على الأقل في شهر المرحمة، وذلك ننام ونحن بخلاف ما فكر به أصحاب الجنة في الآيات السابقة، بل ننام منشغلين بالغد وما نتقدم فيه لهذه الثلة التي تعيش بين ظهرانينا. وتقبل الله طاعتكم.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news