العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

ربع قرن على مبادرة حلف الناتو تجاه دول المتوسط.. من الحوار الثنائي إلى الشراكة الحقيقية

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٣ مايو ٢٠١٩ - 01:15

قبل خمسة وعشرين عامًا وتحديدًا في عام 1994 أطلق حلف شمال الأطلسي «الناتو» مبادرة الحوار المتوسطي بين الحلف وسبع دول من منطقة الشرق الأوسط وهي مصر والمغرب وتونس والجزائر وموريتانيا والأردن وإسرائيل، وكانت الأهداف المعلنة لتلك المبادرة هي تأسيس علاقات جيدة تستهدف التفاهم الثنائي حول أهم تحديات الأمن والاستقرار الإقليمي، ولوحظ أن تلك المبادرة قد واجهت تحديات وخاصة في ظل ما شهدته دول جنوب المتوسط من تحولات منذ عام 2011. مما يثير تساؤلاً حول جدوى تلك المبادرة وخاصة في ظل تأكيد مسؤولي الحلف على أنها تجاوزت مرحلة التفاهم الثنائي إلى الشراكة، بل والأهم ما متطلبات تطويرها وخاصة أنها أطلقت في ظل بيئة مغايرة لتلك التي تشهدها تلك المنطقة في الوقت الراهن؟ وواقع الأمر أنه على الرغم من أن تلك المبادرة كانت جزءًا من استراتيجيات حلف الناتو لتأسيس شراكات إقليمية خارج أراضيه وخاصة بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة فإن منطقة جنوب المتوسط كانت - ولاتزال - تحظى باهتمام بالغ لدى الحلف وهو ما يفسر تدخل الحلف عسكريا في الأزمة الليبية عام 2011 حيث كانت المرة الأولى للتدخل الأطلسي في المنطقة العربية، بالإضافة إلى قرار الحلف عام 2017تأسيس مركز الجنوب ويتبع القيادة العسكرية للحلف في مدينة نابولي الإيطالية لرصد التهديدات الأمنية التي تمثل تهديدًا لأعضاء الحلف من جنوب المتوسط وخاصة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، وعلى الرغم من أن درجة استجابة دول جنوب المتوسط لتلك المبادرة قد تفاوتت من دولة لأخرى ولكن جل ذلك الاهتمام تمثل في المناورات العسكرية المشتركة بين الحلف وبعض من دول الشمال الإفريقي، الأمر الذي عزز من القدرات البحرية لتلك الدول والقدرة على العمل المشترك لمواجهة أي تهديدات حالية أو متوقعة للأمن البحري، بالإضافة إلى انتظام اجتماعات ذلك الحوار على المستوى الوزاري.

 ومع أهمية تلك المبادرة ليس فقط بالنسبة إلى موضوعاتها حيث تتيح للدول الأعضاء الاستفادة من منظمة بحجم ووزن الناتو فإن البيئة الإقليمية الراهنة قد فرضت تحديات جديدة أمام الحلف وأول تلك التحديات يتمثل في الأزمة الليبية، صحيح أن الحلف قد أنهى مهمته بالتدخل عسكريا في تلك الأزمة ولكن لا تزال تثار تساؤلات حتى الآن حول مدى وجود تصورات لدى الحلف فيما بعد التدخل عسكريا في الأزمات وخاصة في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها ليبيا مع احتدام الصراع الداخلي فيها، أما ثاني تلك التحديات فهو التمدد الروسي في الشمال الإفريقي بما يعنيه ذلك من أن دول جنوب المتوسط ستكون ساحة لحرب باردة جديدة بين الحلف وروسيا، بينما يتمثل التحدي الثالث في الدور المستقبلي لحلف الناتو تجاه ترتيبات الأمن الإقليمي في ظل الاقتراح الأمريكي بشأن تأسيس تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي «ميسا».

ومع أن اجتماع الحوار المتوسطي يعقد بشكل سنوي وقراراته غير ملزمة فإنه لا يزال يكتسب أهمية بالغة بالنسبة إلى الحلف والشركاء على حد سواء لأسباب ثلاثة الأول: مع تعدد التحديات التي تواجه دول جنوب المتوسط فإن الجانب الأمني يأتي في مقدمة تلك التحديات وخاصة بالنظر إلى توجه الجماعات الإرهابية باتجاه القارة الإفريقية بعد ضراوة المواجهات في كل من سوريا والعراق ومن ثم فإن دول المبادرة ستظل بحاجة إلى خبرات حلف الناتو في مواجهة الإرهاب، والثاني: في ظل سعي الاتحاد الأوروبي لتحقيق مفهوم الأمن الذاتي من خلال إثارة مقترح الجيش الأوروبي الموحد وأخذًا في الاعتبار أهمية منطقة البحر المتوسط لدول الاتحاد والتي بدأت في الانخراط في مواجهة التحديات الأمنية بها منذ عام 2015 بإطلاق عملية «صوفيا» لمواجهة عصابات تهريب المهاجرين في المتوسط فإن للحلف مصلحة أكيدة في أن يكون له دور فاعل في تلك المنطقة وخاصة أن للحلف في الوقت ذاته آلية تجوب مياه البحر المتوسط وهي دوريات بحرية للكشف عن أنشطة إرهابية محتملة من خلال تفتيش السفن التي يشتبه فيها بهذا الأمر وتعرف تلك العملية «بالمسعى النشط» وذلك أخذًا في الاعتبار أن الحلف دائمًا ما يؤكد أن مبادراته تتكامل مع مبادرات وجهود الأطراف الدولية الأخرى، أما السبب الثالث فهو: إمكانية تعزيز الحلف لشراكاته مع دول القارة الإفريقية، فمع أنه يوجد بالفعل مكتب تنسيق للحلف داخل منظمة الاتحاد الإفريقي فإن رئاسة مصر لتلك المنظمة يمكن أن تكون مدخلاً مهما للحلف لتعزيز شراكاته الإفريقية من أجل الحيلولة دون ولوج قوى دولية أخرى تسعى لإيجاد موطئ قدم لها في القارة الإفريقية أخذًا في الاعتبار أن منطقة القرن الإفريقي لم تكن بعيدة عن اهتمام الحلف الذي أرسل وللمرة الأولى عام 2012قطعًا بحرية للإسهام في مواجهة القرصنة قبالة سواحل الصومال وخليج عدن. 

 ومع التسليم بما سبق فإن ثمة ثلاثة مآخذ على تطور ذلك الحوار وأولها: طول الفترة الزمنية التي استغرقها للتطور فمع أن إطلاقه كان عام 1994 فإن طرفيه لم يتفقا على تأسيس إطار أكثر طموحًا وتوسعًا سوى عام 2004 أي بعد عشر سنوات من بدء الحوار، وثانيها: بالرغم من طموح الأهداف التي تضمنها ذلك الحوار فإنه لا تزال هناك حاجة إلى خطط محددة بشأن مواجهة تلك التحديات ومنها على سبيل المثال لا الحصر دور حلف الناتو تجاه الانتشار النووي، وثالثها: حصر الحوار على المستوى الوزاري الرسمي بالرغم من وجود آلية لدى الحلف معنية بتعزيز الصورة الذهنية عن الحلف وهي «جهاز الدبلوماسية العامة» والتي يمكن توظيفها ضمن مسار ذلك الحوار بشكل فاعل من أجل التعرف عن كثب على استراتيجيات الحلف والتطورات التي شهدها وخاصة منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة وحتى الآن.

ولا يعني ما سبق عدم جدوى ذلك الحوار بل على العكس من ذلك إذ إنه في ظل ما تشهده المنطقة من تحالفات حالية ومتوقعة فإن الحوار مع حلف الناتو يبقى ضرورة استراتيجية كشراكة دولية من جهة والحفاظ على توازن القوى الإقليمي من جهة أخرى.

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة 

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news