العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

انتخابات اسطنبول تشعل معركة سياسية

تركيا التي تقول إنها تسلك طريق الديمقراطية وتحترم النتائج التي تفرزها صناديق الاقتراع، والعملية السياسية في تركيا تحظى باحترام وتقدير الكثير من الدول، وخاصة الأوروبية، رغم كل ما يصدر عن هذه الجهات من ملاحظات وانتقادات حول ممارسات السلطات الحاكمة وعلاقاتها بالقوى السياسية المعارضة واستغلال الإمكانيات الإعلامية واللوجستية المتاحة بين أيدي السلطات الحاكمة لدعم حظوظها في العمليات الانتخابية، رغم كل هذه الملاحظات وغيرها، مع عدم التقليل من جديتها وصحة بعضها، فإن العملية السياسية في تركيا تسير على طريق صحيح وهي قابلة للتطور إلى الأفضل ومجاراة ما سبقها من ديمقراطيات عريقة هي الأخرى مرت بنفس المراحل والمنعرجات والتعثرات والتجاوزات التي تمر بها العملية الديمقراطية والسياسية في تركيا.

قبل عدة أسابيع قررت اللجنة العليا للانتخابات في تركيا إلغاء النتائج التي تمخضت عنها صناديق الاقتراع في مدينة اسطنبول، ثاني أكبر المدن التركية وأهمها من حيث الوزن السياسي وحددت اللجنة يوم 23 يونيو المقبل موعدا لتنظيم الانتخابات البلدية في هذه المدينة، جاء القرار استجابة للمطالب المتكررة من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم، بدعوى وجود مخالفات في عملية الاقتراع، وهو القرار الذي لاقى رفضا من قبل المعارضة التي اعتبرته «انقلابا» على الديمقراطية وتكريسا للنزعة «الديكتاتورية» للحزب الحاكم، بل إن رئيس بلدية اسطنبول، المعارض أكرم إمام أوغلو، الذي أُبطل فوزه في الانتخابات ذهب إلى أبعد من ذلك عندما صرَّح بأنه «سيقود ثورة من أجل الديمقراطية»، بعد إلغاء نتائج الاقتراع، كما انتقدت القرار دول بالاتحاد الأوروبي، كفرنسا وألمانيا في حين طلب الاتحاد الأوروبي «توضيحا من لجنة الانتخابات التركية».

من الطبيعي أن يرفض حزب الشعب المعارض قرار اللجنة كونه أول المتضررين من هذا القرار باعتباره الحزب الفائز في انتخابات بلدية مدينة اسطنبول وفي مدن كبيرة أخرى مثل العاصمة أنقرة، ولكن من حيث المبدأ ما كان يفترض أن يثير مثل هذا القرار ردود الفعل الحادة، وخاصة من جانب المعارضة التركية ذلك أن قرار اللجنة ليس بالأمر الغريب أو الاستثنائي في مثل هذه الحالة، كما أن مثل هذا القرار ليس الأول من نوعه ومثل هذه الأمور سوف تحدث مستقبلا في تركيا مع التزامها بالمسار الديمقراطي، كما حدثت في بلدان أخرى ذات نهج ديمقراطي. 

الموقف من ممارسات حزب العدالة والتنمية السياسية الحاكم، سواء الداخلية منها أو الخارجية شيء ومدى التزامه بالمبادئ التي تحكم وتسير العملية الديمقراطية واحترامها وسلوك الطريق القانوني في هذه الممارسة شيء آخر، فالحزب لم يلغ نتائج انتخابات بلدية مدينة اسطنبول بقرار سياسي من جانب الحكومة التي يسيطر عليها ويقودها، ولا بقرار من السلطة التشريعية التي يمتلك الغالبية المطلوبة فيها، وإنما سلك الطريق الذي رسمه قانون الانتخابات، وأعطى الجميع حق الطعن في أي نتائج انتخابية تساوره أدنى شكوك في صحة ما خرج عنها من نتائج.

لست هنا في موقع الدفاع عن حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، فالحزب له أخطاء كثيرة وكبيرة خاصة على مستوى السياسة الخارجية عندما أقحم تركيا في خلافات مع دول عربية كثيرة، بل جعل تركيا طرفا مباشرا في تدمير سوريا من خلال دعم تركيا للفصائل المسلحة وتحويل الحدود التركية السورية إلى ممرات آمنة لدخول المسلحين إلى سوريا، لكن الموقف من سياسة الحزب وأخطائه وعدم الالتقاء معه أيديولوجيا، لا يعطي الحق لأحد أن يصادر حق الحزب بالطعن في الانتخابات طالما أنه سلك الطريق الذي حدده القانون.

نعم هناك شكوك حول مدى مصداقية أو حيادية لجنة الانتخابات وما إذا كانت قد تعاطفت مع مطلب الحزب بإعادة الانتخابات البلدية في مدينة اسطنبول، لكن ذلك كله يبقى في دائرة الشك إذ ليست هناك أدلة تؤكد ذلك، أضف إلى هذا كله، فإن الإعادة لن تحرم المعارضة من الأصوات التي رجحت كفتها في الدورة الأولى، إلا إذا حدث شكل من أشكال التزوير، وهذه عملية يمكن كشفها بكل بساطة خاصة أن تركيا لا ترفض وجود مراقبين محايدين على سير العملية الانتخابية فيها، التشريعية منها والبلدية، ومن ثم فإن هذه العملية، أي إعادة الانتخابات في هذه الدائرة لا تضر بالعملية الديمقراطية في البلاد الأمر الذي لا يستدعي معه القيام بـ«ثورة»، كما هدد رئيس بلدية اسطنبول.

حزب العدالة والتنمية الذي يسيطر على الحياة السياسية في تركيا على مدى أكثر من سبعة عشر عاما حيث بقي في الصدارة منذ انتخابات عام 2002 التشريعية حتى الآن، هذا الحزب ليس معصوما من الأخطاء، كما هو حال أحزاب المعارضة، وهو ليس بالحزب المثالي، وهناك خشية حقيقية من أن يغدر مستقبلا بالعلمانية التي وضع أسسها باني تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، رغم كل ذلك لا بد من الإشارة هنا إلى أن الحزب المذكور ملتزم بالمبادئ الديمقراطية التي رضيت بها جميع الأحزاب السياسية في تركيا، ومنها بطبيعة الحال أحزاب المعارضة، وهي التي سبق لها أن طعنت أكثر من مرة في الانتخابات بل ووصمتها في بعض الأحيان بالمزورة.

في ظل الأنظمة الديمقراطية يجب ألا يفسد الخلاف الود والمنافسة الشريفة بين القوى السياسية، فالساحة مفتوحة لهذه المنافسة والناخبون هم من يحددون خياراتهم بعيدا عن أي شكل من أشكال التدخل غير المشروع في هذه الخيارات، فالأنظمة التي تحترم المبادئ الديمقراطية لا تلجأ إلى مثل هذه الخيارات لتحرف رغبات الناخبين أو التأثير غير المشروع عليهم، فأحزاب المعارضة التركية التي هزمت حزب العدالة والتنمية الحاكم في مدن كبيرة ومؤثرة مثل أنقرة واسطنبول يجب عليهم عدم الخشية من إعادة الانتخابات في المدينة الأخيرة طالما أنها واثقة من حضورها الجماهيري.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news