العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في الاقتصاد والتجارة
رسول الله يستفيد من أجواء عالم التجارة

الأحد ١٢ مايو ٢٠١٩ - 11:52

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

تحدثنا بالأمس عن بعض الأمور التي استفاد منها رسول الله صلى الله عليه وسلم من عالم التجارة لنحاول اليوم ما انقطع من حديث.

جانب آخر من الدعائم التي تقوم عليها الحياة التجارية، وهي معرفة البشر، ففي عالم التجارة جاءته صلى الله عليه وسلم الفرص للسفر والتعامل مع البشر بمختلف أنواعهم وطباعهم، فهذا رجل فض، والآخر سهل التعامل، والثالث غضوب، والرابع صعب التعامل، وذلك بدوي قادم من الصحراء والبادية والآخر يعيش في المدينة، وثالث يعتمد في حياته على الفلاحة وآخرون من مختلف الأنواع والطباع والصفات. 

والتاجر يتعامل مع أصناف كثيرة من البشر تنمو قدراته على التعرف على طبيعة كل شخص منهم، الأمر الذي يُحسن التعامل معهم في كل مرة، فمثلاً البعض يدخل ويريد حقيقة الشراء، والبعض الآخر يدخل للتسلية فقط، في حين آخرين لا تعجبهم الأذواق المعروضة، فيكتسب التاجر خبرة في كيفية التعامل معهم كل حسب ما يناسبه، كما وأن هذه المهنة تحتاج للتدرب على الصبر والتحمل لبلوغ الغاية وهي البيع، فالعصبية تجعل الجميع ينفر ولا يعود، كما أنها تحتاج إلى التلطّف والمداراة. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاجر يتعامل مع كل تلك النفسيات والطباع والرغبات والاحتياجات والأفكار باتساعها وضيقها بمنتهى الحرفية والإبداع والقدرة التي وهبها له الخالق عز وجل، ليس ذلك فحسب وإنما كان يجب أن يعرف كيف يتعامل مع كل تلك الصفات وعليه ألا يخسرهم حتى يكسب رزقه منهم، وكان له ذلك.

يقول الدكتور جاسم المطوع في كتابه (أساليب تعامل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الشخصيات الصعبة): إن الشخصيات الصعبة هم جزء من المجتمع فهم يمثلون جزء مهمًّا من محيطنا المعيشي الذي يجب أن نتعامل معه بذكاء اجتماعي وعاطفي شديدان من أجل أن يسير المركب وتأمن الرحلة وتتحقق الأهداف ونصل إلى المبتغى بغير بأذن الله بغير أو أقل الخسائر أو التضحيات.

إن الصدام مع الشخصيات الصعبة فقدان للطاقات ومضيعة للأوقات وانحراف عن الخط العام الذي ارتضاه الإنسان الطبيعي لنفسه هو خط البناء والإعمار، والطموح والسمو، والعمل الجاد والارتقاء المستمر في كل مناحي الحياة، هم بلا شك محطات في هذا الطريق فهم يشكلون جزء من الوسط الاجتماعي الذي نتعامل معه ويحيط بنا كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة.

يجب ألا نتوقف كثيرًا في هذه المحطات حينما نختلف معهم أو لا يعجبنا سلوكم في الحياة أو تصرفاتهم في العمل أو المنزل أو لا تعجبنا ردود أفعالهم أو انفعالاتهم أو سلبيتهم أو مخالفتهم للسائد العام الطبيعي الإنساني الذي فطر عليه الإنسان وهو حب الآخرين والإحسان إليهم والتعاون معهم على البر والتقوى وعدم التعاون معهم على الإثم والعدوان.

إنها الشخصيات ذات الطبيعة الصعبة حيث هي صعبة حينما نتعامل معها وصعبة حينما نريد أن نفهمها وصعبة حينما نريد أن نتعاون أو نتكامل معها.

وهذا ما أكسبه الحكمة فيما بعد، فقد كان معلمًا عظيمًا في الصبر، فصبر على قومه وعلى من يحيطه ويتعامل معه وذلك للوصول بهم إلى الغاية المنشودة وهي هدايتهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن الكفر والشرك إلى التوحيد، كما أنه تعرف على طبائع البشر ونفسياتهم، فكان يتعامل مع كل إنسان بأنسب ما يناسبه فلا ينفر.

فمن الملاحظ أن ذلك انعكس على تعاليمه صلى الله عليه وسلم فيما بعد، ففي الحديث المتفق عليه يروي أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيس الشَّديدُ بِالصُّرعَةِ، إِنَّما الشَّديدُ الَّذِي يَملِكُ نفسَهُ عِندَ الغضبِ».

ولم يكن ذلك مجرد تعاليم يقولها لمن حوله والمحيطين به، وإنما كان يعيشها وسلوكياته كانت تدعوا إلى ذلك بوضوح، فعن أَنسٍ رضي الله عنه قَالَ: «كُنتُ أَمْشِي مَعَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ غلِيظُ الحَاشِيةِ، فأَدْركَهُ أَعْرَابيٌّ، فَجَبَذهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَديدَةً، فَنظرتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وقَد أَثَّرَتْ بِها حَاشِيةُ الرِّداءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي عِندَكَ، فالتَفَتَ إِلَيْه، فضَحِكَ، ثُمَّ أَمر لَهُ بعَطَاءٍ» متفقٌ عليه.

نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل شيئا سوى أنه ضحك، فقط ضحك، ثم أمر له بعطاء.

وهذا سلوك طبيعي لمن قدر له الله سبحانه وتعالى أن يعيش عالم التجارة ويتعلم منها كيف يتعامل من أنماط البشر المختلفة، وكذلك فإنه جسد الآيات القرآنية التي تدعوه إلى ذلك، ففي سورة الأعراف – الآية 199 يقول تعالى آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، هكذا بكل بساطة، ويقول له مرة أخرى في سورة آل عمران – الآية 159 (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ). 

ونواصل غدًا رحلتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عالم التجارة. 

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news