العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الإسلام وحوار الثقافات!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٢ مايو ٢٠١٩ - 01:15

أرسى الإسلام قواعد الحوار بين الثقافات، وذلك من خلال تسامحه وتعايشه مع الآخر، وكان حريصًا على أن ينطلق الحوار من جزئية، بل من كلية مشتركة يتفق حولها أو عليها الخصوم، وهي مرجعية يرجع إليها المتحاورون حين يشتد بينهم الحوار، وتتعارض الأدلة التي يقدمها كل فريق ليدلل على صواب منهجيته في الحوار، وسلامة رأيه فيما يطرحه من آراء حول ما يدور حوله الحوار.

تبدأ الدعوة إلى الحوار بين الثقافات بأهم قضية من الممكن أن يثور حولها الحوار، وهذه القضية هي العقيدة، والإيمان بإله واحد لا شريك له من بشر أو شجر أو حجر.

اليهود يقولون: (عزير ابن الله)، والنصارى يقولون: (المسيح ابن الله)، وأما المسلمون فيقولون ما أنزل على رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم) وهو قوله سبحانه وتعالى: (قل هو الله أحد (1) الله الصمد(2) لم يلد ولم يولد(3) ولم يكن له كفوا أحد(4)) الإخلاص.

انطلقت دعوة المسلمين إلى الحوار من هذه القضية المهمة والخطرة، قال تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) آل عمران/64.

كما حرص الإسلام على أن يتسم الحوار بالتي هي أحسن، قال سبحانه وتعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) العنكبوت/46.

وحين يحتدم الحوار، وتعلو الأصوات ويتحول الحوار الهادئ إلى جدال حيث يحاول كل فريق أن ينتصر لرأيه حتى ولو كان ذلك عن طريق رفع الأصوات، وحتى حين تصل الحالة إلى هذا المستوى، فإن الإسلام يوجه أتباعه إلى تخير أحسن الأساليب في الحوار، ويختار منها الأحسن لا الحسن من أجل إخماد نار الفتنة التي قد تشتعل في أي لحظة بسبب علو الأصوات ومحاولة كل فريق إثبات أنه على الحق بالقوة لا بالحجة والبرهان، مع أن الإسلام دلنا على الطريق الأقوم حين طالب خصومه بالبرهان، قال تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) الأنبياء/24.

حين يصل المتحاورون إلى كلمة سواء حول القضية المطروحة للمناقشة، ويتم تنقية العقيدة عند كل فريق يشارك في الحوار، ينتقل المتحاورون إلى القضية المختلف حولها وهي قضية الخاتمية لكل رسول من أنبياء ورسل الرسالات الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام، فاليهود يقولون موسى آخر الأنبياء، والنصارى يقولون عيسى آخر الأنبياء، والمسلمون يقولون محمد آخر الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم جميعًا)، فمن الذي على الحق في هذه القضية؟ أولاً: دعونًا نتفق أن كل فريق من الفرقاء الذين يشتركون في الحوار بينهم قدر مشترك من الصواب، وهو أن كلا من موسى وعيسى ومحمد أنبياء أرسلهم الله تعالى كل إلى قومه باستثناء رسول الإسلام أرسله الله تعالى للناس كافة، هذا ما يؤمن به المسلمون، ويعتقدونه ولديهم من الشواهد والبراهين ما يعزز هذه العقيدة من القرآن، ومن الكتب المنزلة الأخرى.

إذن، فأين الخلاف في هذه القضية؟ الخلاف في صحة ما يعتقد كل فريق من أن الحق إلى جانبه هو وحده من دون سواه، ودعونا قبل أن نأتي بالأدلة والبراهين أن نناقش القضية مناقشة منطقية، فنقول؛ لو كان نبي الله موسى هو النبي الخاتم ما جاء بعده نبي الله عيسى، ولو كان نبي الله عيسى هو النبي الخاتم ما جاء بعده محمد، أما محمد (صلى الله عليه وعلى إخوانه وسلم) فلم يأت بعده نبي طوال ما يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان، وبعد أن بشَّر به نبي الله عيسى (عليه الصلاة والسلام). إذن، فمن المنطق أن يكون محمدًا رسول الإسلام هو خاتم الأنبياء، وخاصة إذا أضفنا إلى المنطق الأدلة والبراهين التي جاءت في القرآن والسنة الصحيحة، وفي مقدمة هذه الأدلة قوله تعالى في القرآن: (ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) الأحزاب/40. وجاء في القرآن أيضًا شهادة نبي الله عيسى حين بشَّر بنبوة محمد (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) الصف/6.

ولقد جاء نبي الله عيسى (عليه الصلاة والسلام) بهذه البشارة التي لها أثر باقٍ في التوراة والإنجيل ليكون حلقة الوصل بين الرسالات السماوية الثلاث: اليهودية، والمسيحية، والإسلام.

وجاء في السنة ما يوضح ذلك، فقد روى أبوهريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (فُضلت على الأنبياء بست:أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون) رواه مسلم، والحديث صحيح.

ونود هنا أن نشير إلى أن من كمال الدين وتمام النعمة أن يكون رسول الإسلام هو خاتم النبيين لأنه لا يكمل الدين إلا بالخاتمية في كل شيء؛ خاتمية في الرسالة، وخاتمية في الشريعة، وخاتمية في العبادات، وخاتمية في الأخلاق، والأهم من ذلك خاتمية في الرسول الذي يأتي الخير كله على يديه صلى الله عليه وسلم.

وهكذا صارت الثقافة الإسلامية أكمل الثقافات لأنها تضمنت الخاتمية في كل شأن من شؤون الدنيا والدين، ولأنها قامت على ركائز كاملة من القيم والمثل العليا، وجاءت لتتمم مكارم الأخلاق، وهذا يعني أن الأخلاق عندها كاملة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news