العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

مخاطر نموذج الدولة داخل الدولة

بقلم: د. نبيل العسومي

السبت ١١ مايو ٢٠١٩ - 01:15

باتت الأذرع المليشياوية التابعة لإيران مثل ما يسمى حزب الله والحشد الشعبي العراقي وعشرات المجموعات التي تشكلت -الطائفية والعسكرية والإرهابية- خلال السنوات الماضية بعد سقوط العراق في عام 2003 باتت تشكل هاجسا كبيرا في المنطقة والعالم ولعل ما عبر عنه مؤخرا وزير الخارجية الأمريكية بومبيو عن حزب الله اللبناني يعكس جانبا من هذا القلق باعتبار أن هذه المليشيا المسلحة المدعومة من إيران والممولة منها بالكامل أصبحت تزعزع استقرار لبنان بل واستقرار المنطقة كلها بما يجلبه لها من مصائب ومن مشاكل لا أول لها ولا آخر.

ونفس الأمر ينطبق على حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء وغيرها التي أصبحت تحكم هذه البلدان أو تتحكم فيها على الأقل حيث نشأت معظم هذه المليشيات الطائفية بعد سقوط نظام البعث في العراق وجزء منها بعد انهيار الجيش العراقي في عام 2014 وتمكنت إيران خلال الفترة الفاصلة بين عام 2003 و2019 من تعزيز نفوذها وحضورها في كل من العراق وسوريا حتى أصبحت تتحكم بشكل أو بآخر عبر هذه المليشيات في المشهد السياسي والأمني العراقي والسوري خاصة بعد أن تمكنت هذه المليشيات في العراق بين عام 2006 و2007 من تشريد وتهجير الملايين من العراقيين والتسبب في انهيار المجتمع العراقي واقتصاده بل والتحكم حتى في الاستثمار والاقتصاد متبعين في نفس الوقت أسلوب الحرس الثوري في إيران من خلال ابتزاز المستثمرين وتهديدهم بدفع مبالغ مالية ضخمة وانتهاك شركاتهم وتهديد حياتهم. 

نفس الآلية اتبعت أيضا من خلال مليشيات الحوثي في اليمن منذ صعودها في عام 2013 والسنوات اللاحقة إضافة إلى انتشار الفوضى المسلحة مع انهيار الدولة المركزية في كل من اليمن وسوريا وما شكله ذلك من سيطرة شبه كاملة لهذه الجماعات على مقدرات البلدان وعلى سبيل المثال فإن سوريا لوحدها فيها 48 مليشيا مسلحة وكذلك الأمر في ليبيا إذ فيها هي الأخرى العشرات من المليشيات. وتشير بعض التقارير إلى أن عدد أفراد هذه المليشيات مجتمعة يتجاوز 200 ألف مقاتل وهذا العدد أكبر بكثير من عدد الجيش الوطني الليبي على سبيل المثال.

مما تقدم يتبين أن انهيار الدولة العربية في أكثر من منطقة أو ارتخاء قوتها قد أدى إلى بروز هذه المليشيات الخطرة التي أصبحت مسيطرة على السلطة والمال وتثير الرعب وتؤثر بشكل كبير على أمن واستقرار هذه البلدان إلى درجة غياب الدولة تقريبا وانفراط عقدها في عدد من البلدان العربية مثل اليمن وسوريا وليبيا.

وإذا رجعنا إلى المخاطر الكبيرة التي تشكلها هذه المليشيات في بلدانها وفي المنطقة نجد في مقدمتها ما يسمى بحزب الله الإرهابي الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكية مؤخرا بأنه يجلب الخراب للبنانيين والمنطقة من من خلال ثلاثة عناصر:

الأول: أن هذا الحزب يتحدى الدولة اللبنانية وينازعها السلطة الكاملة سواء على مستوى القوات المسلحة لأن ما يمتلكه حزب الله من قوات أو من أسلحة وصواريخ وعتاد يفوق ما يمتلكه الجيش اللبناني بكثير أو على مستوى الإدارة السياسية فإرادة حزب الله تنازع إرادة الدولة وتقف ضدها بل ورأينا كيف تسبب هذا الحزب في تعطيل الحياة السياسية في لبنان في أكثر من مناسبة وتأخير انتخاب رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية حتى تم الاستجابة إلى جميع مطالبه.

الثاني: أن هذا الحزب يعمل لصالح إيران ووفقا لأوامرها وأجندتها السياسية والأمنية ويحصل سنويا على موازنة ضخمة تضخها إيران في ميزانية الحزب بالرغم من الأزمات التي تعيشها الدولة الإيرانية من حيث نقص العملات وتدهور عملتها الوطنية وتدهور اقتصادها الوطني بوجه عام وعمل هذا الحزب بالأوامر والتوجيهات الإيرانية والتزامه بالأجندة الإيرانية الأمر الذي يتعارض في الكثير من الأحيان مع إرادة الدولة اللبنانية ومصالحها لأن مصلحة إيران تكمن في تحريك هذا الحزب وتشغيله وتوظيفه عسكريا وسياسيا كلما أرادت ذلك بغض النظر عن مصلحة الشعب اللبناني الذي يشعر بقلق على مستقبله بسبب سيطرة حزب الله ونظام الملالي الإيراني على الساحة اللبنانية بما يمتلكه من مال وسلاح ورجال تم غسل أدمغتهم لتجاوز مفهوم المصلحة الوطنية وتصبح الرابطة العقائدية الطائفية هي المحور الرئيسي لتفكير هؤلاء ومواقفهم.

الثالث: إن هذا الحزب تسبب خلال السنوات الماضية في عديد من المشكلات والمصائب في لبنان وقتل الآلاف من الأبرياء من الذين يعارضونه وكان وراء اغتيال الحريري الزعيم المحبوب لخلط الأوراق الأمنية والسياسية وجعل لبنان دائما ضمن دائرة الفوضى والاقتتال كما كان ولا يزال له دور كبير في استدامة الاقتتال في سوريا ويتصرف كأنه جيش مستقل عن إرادة الدولة اللبنانية.

الأمر الأخير والخطر الذي يتسبب فيه هذا الحزب الذي أصبح يصنع في كل منطقة حزبا أو جماعة تحمل نفس الاسم أو اسما مشابها بما يعني أنه يحمل نفس المشروع المخيف الذي يستهدف ضرب كيان الدولة المركزية في أي منطقة يحل بها وضرب النزعة الوطنية التي تجمع شتات الشعب في سياق واحد فالحزب كما هو واضح يحاول إنشاء دولة داخل دولة فله مستشفياته ومدارسه وروضاته وإذاعاته وقنواته الفضائية وصحفه وجيشه وشرطته بما يعني في النهاية أنه دولة داخل دولة ينهش كيان الدولة ويأكلها ولذلك وجب التصدي لهذه الظاهرة الغريبة المدمرة لكيان الدولة العربية بحزم وبقوة ومن دون تردد وليس انطلاقا من الرؤية الأمريكية والمصالح الأمريكية وإنما من منطلق الدفاع عن وحدة الدولة في كل بلد عربي ووحدة كيانها وشعبها لأن السماح أو السكوت عن هذا الوضع الموجود في لبنان والعراق أو في سوريا حاليا وأمثاله في مناطق أخرى بغض النظر عن الخلفية الأيديولوجية لكل مليشيا فإن أخطر ما يمكن أن تتسبب في تفكك الدولة وتنازع الناس وانتشار الحرب الأهلية هو أن تصبح الأحزاب السياسية لا وطنية ترتبط بمرجعية خارجية وتتسلم الدعم المادي والعسكري والسياسي والإعلامي من دولة خارجية فتلك قمة الكارثة والتي نرى مظاهرها حاليا في نموذج حزب الله اللبناني وحزب الله العراقي وغيرهما في العديد من المناطق الأخرى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news