العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية.. موري أوغاي والوصية الأخيرة

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١١ مايو ٢٠١٩ - 01:15

ليسمح لي عزيزي القارئ أن أعرفه على شخصية يابانية عاشت في عصر الامبراطور ميجي، وجمعت بين الطب والأدب والعسكرية، وأثبتت جدارتها في جميع هذه الاختصاصات، والشخصية اليابانية التي نتحدث عنها هي الطبيب والأديب والفريق أول موري اوغاي. فقد ولد في 17 فبراير عام 1862، وتوفي في 8 يوليو عام 1922 بسبب مرض السل، وهو في سن الستين من عمره. وقد ورث مهنة آبائه وأجداده الذين كانوا أطباء عظاما لقادة الساموراي، درس الطب في جامعة طوكيو الإمبراطورية، وتخرج فيها عام 1881، وهو في سن التاسعة عشرة من عمره، وقد كان أصغر طبيب يحصل على إجازة ممارسة الطب في اليابان، وفي هذه الفترة أيضا طور خبراته في كتابة القصة ودراسة الأدب الياباني القديم. وقد التحق بالحيش الامبراطوري بعد تخرجه، وعين طبيبا، وبعدها أُرسل إلى ألمانيا للتعمق في دراسة الطب مدة أربع سنوات من عام 1884 حتى عام 1888، وفي هذه الفترة طور أيضا إمكانياته الأدبية، ودرس الأدب الأوروبي، كما طور مهارته في الترجمة. وبعد عودته إلى اليابان كتب أول رواية له، هي «أميرة الرقص»، والتي تتحدث عن فتاة ألمانية تعرف عليها أثناء وجوده في ألمانيا. واستمر في عمله في الجيش الإمبراطوري حتى وصل إلى منصب القائد الأعلى لأطباء الجيش، وفي الوقت نفسه ظل يقوم بكتابة الروايات والأعمال الأدبية، إضافة إلى قيامه بترجمة عدد كبير من الأعمال الأدبية الغربية إلى اللغة اليابانية، مثل أعمال بتروفيتش وليو تولستوي ودوستويفسكي. ويذكر اسم أوغاي موري دائما كأحد الآباء المؤسسين للأدب الياباني الحديث، كما أسس مجلة أدبية في عام 1889، وكان يعتقد أن الأدب يجب ان يعكس عواطف المجتمع وروحانياته، بينما تعكس دراسة التاريخ واقعيته. وقد وصف في قصته القصيرة، الفتاة الراقصة، التي صدرت في عام 1890، قصة حب بين فتاة ألمانية وشاب ياباني. وقد تزوج في عام 1899 من اكاماتسو توشيكو، ابنة الادميرال اكاماتسو نوري يوشي، ليطلقها بعد سنة من زواجهما. وقد شارك في الحرب الصينية اليابانية الأولى في عام 1894 والحرب الروسية اليابانية في عام 1902، كما عين في عام 1907 رئيسا لأكاديمية الفنون الإمبراطورية، ورئيسا لمجلس البحث العلمي لمرض البري بري، ليكتشف سبب مرض البري بري. كما ان ابنته موري ماري اشتهرت أديبة يابانية متميزة، إذ كتبت الكثير من الروايات المشهورة عالميا. وقد عين بعد تقاعده في عام 1916 مديرا للمتحف الامبراطوري. وليسمح لي عزيزي القارئ ان أعرض إحدى قصصه القصيرة بعنوان «الوصية الأخيرة لاوكتسو ياجوايمون».

تصف هذه القصة رسالة شخص كوصية لعائلته قبل انتحاره، يقول فيها: ستكون طقوس انتحاري اليوم صدمة بدون شك، وستتهمونني أنا اوكتسو ياجومون بالخرف أو الجنون، ولكن تلك فكرة أبعد ما تكون عن الحقيقة. فمنذ تقاعدي، أعيش في كوخ بسيط، بنيته في غرب جبل فاناوكا، بمحافظة ياماشيرو. فبعد موت سيدي اللورد شوكوجي، انتقلت باقي عائلتي إلى مدينة ياتسوشيرو، بينما تعيش الآن في مدينة كوماموتو، في نفس المحافظة، وستصعق حينما تسمع عن خبر انتحاري. لقد عشت سنين طويلة كراهب بوذي، ولكن كتبت وصيتي هذه لكوني محارب سموراي قديما ومهتما بسمعتي بعد وفاتي. وقد يفكر البعض من بساطة سكني أن سبب انتحاري إفلاسي والديون المتراكمة عليّ، ولكن في الحقيقة ليس هناك أيّ ديون عليّ، بل هناك صندوق به بعض الأموال التي جمعتها، ومع انها قليلة، فإني اريد ان تغطي مصاريف حرقي بعد وفاتي. وسأكون محظوظا لو أرسل أحد قليلا من شراب الساكه المقدس، مع رسالتي هذه الى أقربائي، الذين يعيشون في كوماموتو. اما الثلاثة الألواح الخشبية التذكارية الموجودة بقرب تكونوما، فهي لثلاثة من اللوردات الذين خدمتهم، أرجو أن يحرقوا بنار نظيفة مقدسة، بحيث لا يتعرضون لأي معالجة غير محترمة. وسأنهي حياتي اليوم، اليوم الثاني، من الشهر الثاني عشر، من سنة منجي لعام 1658، والتي هي الذكرى الثالثة عشرة لموت سيدي اللورد شكوجي، الذي توفي في اليوم الثاني، من الشهر الثاني عشر، من السنة الثانية من شوهو لعام 1645. ولرغبتي بأن تعرف حقيقة موتي من قبل احفادي، أترك الوصية التالية. فقد بدأت قصتي قبل ثلاثين عاما، ففي الشهر الخامس من السنة الأولى لعام كانيي عام 1624، وصلت سفينة الى شواطئ نجازاكي، بعد ثلاث سنوات من تقاعد سيدي اللورد شوكوجي الراهب سابقا، حيث طلب مني شراء قطعة نادرة لحفلة الشاي اليابانية. فتوجهت مع صديق إلي مدينة ناجازاكي، ووجدنا قطعة عود بخور خشبية نادرة، حاولت شراءها، فضارب في سعرها لورد من مدينة سنداي، ورفع السعر بشكل خيالي، فنصحني صديقي بأن نتجنب رفع السعر أكثر، ونترك القطعة الكبيرة من خشب البخور للورد، ونشتري قطعة صغيرة من فروعها، وطبعا لم أوافقه الرأي، بل اعتبرته إهانة لسيدي اللورد، وقد ضحك مني صاحبي لإصراري على شراء قطعة عود خشبية بسعر خيالي، ستحرق في وسط النار. 

وقد أحسست بالإهانة في ذلك الوقت إذ لم اتجاوز الثلاثين من عمري، فقلت لصديقي ان نصيحته حكيمة، ولكن من واجبي ان أنفذ وصية سيدي اللورد، فلو طلب مني السيطرة على قلعة لقمت بذلك، ولو طلب مني قطع رأس رجل مّا لحققت طلبه، ولكنه في الحقيقة طلب مني فقط اختيار شيء نادر، فمن واجبي أنفذ أمر سيدي طوعا، وليس من واجبي ان أتساءل عما يطلب، ما دام لا يخالف قيمي وأخلاقياتي. فضحك صاحبي وقال: أتفق معك على ألا نقوم بما لا يتماشى مع قيمنا وأخلاقنا، فلو كانت القضية تتعلق بأسلحة حربية، لما ترددت في صرف مبالغ كبيرة، ولكن ان نصرف سعرا خياليا على قطعة بخور خشبية ستحرق، فهذا جنون شبابي مفرط. فرددت على صديقي بانفعال: أنا أعرف الفرق بين الأسلحة والبخور، مع صغر سني، ولأذكرك بأنه حينما كان اللورد تايشو رب العائلة، قال اللورد جامو انه سمع أنه كان لدى هوسوكوا مجموعة من النوادر، ويريد ان يراها، وحينما حان اليوم الموعود، وحضر اللورد جامو احضر اللورد تايشو مجموعة من السيوف والسهام والأسلحة النادرة، وقد اندهش اللورد جامو، وبعد أن نظر الى هذه الأسلحة أخبره بأنه أتى في الحقيقة لكي يرى أدوات حفلة الشاي اليابانية النادرة التي في حوزته. وبعدها ضحك اللورد تايشو، وطلب من مساعديه إحضار ما عنده. فهل يمكن ان تكون هناك عائلة يابانية تهتم بالأسلحة كما تهتم بأدوات حفلة الشاي اليابانية؟ ولو فرضنا كما تقول بأن حفلة الشاي اليابانية احتفالية صورية، فأيضا شتشكّ بأن مهرجاناتنا المقدسة هي شرف لسلالاتنا السابقة. فالمطلوب منا في هذه المناسبة ان نشتري عود بخور لحفلة الشاي لا غير، فهذا طلب سيدي وعلينا تنفيذه حتى لو كلفنا حياتنا. ولكون صديقي ليس لديه إحساس بفن حفلة الشاي، فإنه يعتبر من غير الحكمة صرف كمية كبيرة من المال على خشب العود النادر. ولم ينتظر صديقي تكملة جملتي ليرد: طبعا لا اعرف شيئا عن حفلة الشاي، وطبعا أنا محارب أحمق، فإن كنت ماهرا في مختلف أنواع الفنون فلترنا مهاراتك وانجازاتك. ثم رفع صديقي سيفه ووجهه في وجهي، ولم يكن أمامي إلا أن أخرج سيفي من غمده، وأقطعه به إلى نصفين من وسط بطنه. 

وبعدها وبدون انتظار، اشتريت قطعة عود البخور الرئيسية الكبيرة النادرة، ورجعت إلى قلعة كتسوكي، بينما اشترى منافسي قطعة خشب البخور للفرع الصغير. وبعد أن رجعت إلى المدينة، وقدمت قطعة العود النادرة إلى سيدي اللورد شوكوجي، استأذنته بأن أقوم بعملية سبوكو، وهي عملية انتحار بالسيف بقطع البطن، فقد أخبرته بأني جهدت لكي أوفر القطعة النادرة من البخور، ولكني في نفس الوقت قتلت أحد محاربي السموراي، الذي أنت في أمس الحاجة إليه. ولكنه قدّر اهتمامي بطلبه، وفهمني أهمية الفنون، وخاصة فن التحضير لحفلة الشاي اليابانية، التي تعتبر مقدسة، كما أكد لي أننا لو نظرنا الى كل شيء في الوجود وقيمناه بحسب مدى استخداماته، لما بقي شيء في الوجود له قيمة، وطلب من والد محارب السموراي المقتول ان يغفر لي ذنبي. وأتذكر جيدا أنه بعد سنتين من هذه الحادثة، حينما ذهب الإمبراطور إلى قلعة نيجو، طلب من ميوجي ان يحضر بعضا من البخور الخشبي الذي حصلت عليه، وقد أعجب الإمبراطور جدا بنوعية وندرة هذا النوع من البخور، وليذكر سيدي اللورد الإمبراطور بالقصة القديمة لحصولي على هذا البخور الخشبي. 

ومع أني فكرت سرا طوال هذه المدة في أن انتحر بشق البطن، بعد قتلي لصديقي، ولكني كنت أنتظر الفرصة المناسبة. وفي عام 1632 أصبحت حارسا في قلعة ياتسوشيرو، والتي كان يسكنها سيدي اللورد شوكوجي، وقد طلب مني مصاحبته إلى العاصمة. وتمر السنون بدون هدف، لذلك قررت في عام 1637 ان اطلب من سيدي اللورد ان أحارب مع ابنه في معركة ضد شيمابارا، وكانت رغبتي ان اموت في هذه المعركة، ولكن انتصارنا في هذه المعركة لم يحقق رغبتي في الموت، بل بالعكس حصلت على وسام الشجاعة، وبقيت حيّا سنوات طويلة ولم تتحقق أمنية الموت عندي. ولكن في عام 1641 مرض اللورد ميوجي، ومات أمام والده، ليصبح اللورد هيجو رئيس العائلة، وفي عام 1645 توفي سيدي اللورد شوكوجي، الذي مدح البخور الذي أحضرته في قلعة وكاباياشي، وحافظ عليه كجزء من كنوزه. وفي عام 1649 توفي اللورد هيجو، وهو في سن الحادية والثلاثين، وأوصى ان ترجع القيادة إلى الشوجن بسبب صغر سن ابنه، ولكن تذكر الشوجن ولاءه وإخلاصه منذ عهد اللورد تايشو، لذلك أصروا أن يكون ابنه اللورد روكومارو البالغ السابعة من العمر خلفا له. وبعدها طلبت منهم أن أتقاعد، فوافقوا فتركت كماموتو وأتيت إلى هنا، ولكني كنت قلقا على اللورد الصغير روكومورا، وتمنيت ان يعيش في سلام حتى يكبر. ومع رغبتي الملحة في الانتحار فإني عشت سنوات طويلة، ولكن في عام 1953 أصبح اللورد روكومورا في الحادية عشرة من عمره، ليصبح اللورد اتشو، وأعطي اسم اتسوناتوشي، واستمتع بفضائل قيادات الشوجن (الحاكم العسكري)، وفرحت جدا بهذا الخبر. 

ولم يبق في بالي شيء آخر الآن، وأحسست بالحزن لو أني مت بسبب كبر السن، لذلك انتظرت هذا اليوم بصبر، يوم الذكرى الثالثة عشرة لوفاة سيدي اللورد شوكوجي، الذي شملني بعطفه ورعايته وجمائله، والذي تمنيت ان أرافقه في رحلة موته بعد تلك السنين الطويلة، ومع أني اعرف أنه لا يجوز ان نفارق الحياة خلف أسيادنا، ولكني قتلت رفيقي الساموراي في شبابي، وكان عليّ الانتحار منذ زمن بعيد. فليس لديّ أصدقاء أراهم بانتظام، ولكني كنت مؤخرا قريبا من الراهب سيجان، من منطقة دايتوكوجي، وأرجو من جيراني ان يروه هذه الرسالة قبل إرسالها الى أهلي. وقد كتبت هذه الوصية بضوء شمعة ستنطفئ قريبا، ولم تعد هناك حاجة الى إنارة شمعة أخرى، فهناك ضوء كاف من انعكاس بياض ثلج الجبل على النافدة، لكي أقطع بطني بالسيف نصفين. وقد حررت هذه الرسالة في اليوم الثاني، من الشهر الثاني عشر، من السنة الأولى من تاريخ مانجي، ووقعت الوصية باسمي، اوكتسو ياجوايمون. ولنا لقاء..

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news