العدد : ١٥٠٦٢ - الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٢ - الأربعاء ١٩ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ شوّال ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

فلسطين بيدها مفتاح إفشال الصفقة

من حيث الأمر الواقع وموازين القوى، فإن القيادة الفلسطينية لا تملك من أوراق الضغط السياسية الكبيرة ما يمكن استخدامه لوقف النوايا والخطط التي تجهزها الولايات المتحدة الأمريكية لطرح أو الدفع بما اصطلح على تسميتها «صفقة القرن» والتي أجمع الكثير من المراقبين، حتى قبل أن تبوح هذه الصفقة بكامل تفاصيلها، أجمعوا على أنها لن تصب في صالح تلبية المطالب المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وخاصة فيما يتعلق بحقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس المحتلة، ورغم أن القيادة الفلسطينية لا تملك مثل هذه الأوراق، فإنها بكل تأكيد تملك حق رفض هذه الصفقة وتمتنع عن التوقيع على صك بيع ما تبقى من حقوق وطنية فلسطينية. مثل هذا الموقف الفلسطيني تحديدا من شأنه أن ينعكس إيجابا على مواقف باقي الدول العربية من هذا المخطط السياسي الخطير على القضية الفلسطينية.

حتى الآن يبدو أن القيادة الفلسطينية متمسكة بموقفها الوطني الرافض لأي شكل من أشكال التفريط فيما تبقى من حقوق وطنية فلسطينية، وهذه القيادة على قناعة شبه مطلقة بأن أي حل يصدر عن الإدارة الأمريكية، -الحالية منها بالدرجة الأولى- لن يصب في صالح الشعب الفلسطيني إذ إن هذه الإدارة تكافئ الاحتلال وتقدم له الهدايا المجانية على حساب الحقوق التاريخية للشعوب العربية، كما حدث مثلا مع مدينة القدس المحتلة وهضبة الجولان السورية المحتلة. مثل هذا الثبات الفلسطيني على موقف الرفض لأي صفقة تفرط فيما تبقى من حقوق تاريخية للشعب الفلسطيني يعدّ حجر الأساس لأي موقف إزاء هذه الصفقة.

مختلف الدول العربية من جانبها أعلنت مواقفها الصريحة إزاء ما يشاع عن هذه الصفقة وعما تخبئه من تفاصيل، فالدول العربية المختلفة أكدت موقفها الرافض لأي تسوية لا تأخذ في الاعتبار الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني وتحديدا حقه في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967، وعاصمتها القدس المحتلة. يفهم من ذلك أن الدول العربية تربط موقفها السياسي إزاء هذه الصفقة بمواقف الأشقاء الفلسطينيين، وبالتالي فهي ألقت بالكرة في ملعبهم، وعليهم أن يتمسكوا بمواقفهم المعلنة حتى لو لم تستطع منع الإدارة الأمريكية من طرح صفقتها التي لا تبشر بخير.

مما لا شك فيه أن هناك توجها لدى الإدارة الأمريكية الحالية لفرض شكل من أشكال «التسوية» السياسية على القيادة الفلسطينية، هذه التسوية سوف تكافئ الاحتلال ولن تلزمه بالانصياع لقرارات الشرعية الدولية، فليس هناك أي نوايا لدى الإدارة الأمريكية في هذا الاتجاه، وقد اتضح ذلك جليا من خلال خطوات الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لــ«إسرائيل» وبسيادتها على هضبة الجولان السورية المحتلة. مقابل هذا الوضع الصعب الذي تمر به القضية الفلسطينية والأوضاع العربية غير السارة ليس أمام القيادة الفلسطينية سوى التمسك بمواقفها السياسية المبدئية القائمة على عدم التفريط في الحقوق التاريخية لشعبها، وهي لا تملك شيئا تخسره بعد كل هذه الخسائر والأضرار التي لحقت بالقضية الفلسطينية.

فالقيادة الفلسطينية والدول العربية أيضا لا يملكون من أوراق سياسية سوى الامتناع عن التعاطي مع مخطط تصفية القضية الفلسطينية، فمشروع التصفية ليس وليد الصدفة، وليس مشروع «صفقة القرن» سوى جزء أساسي من هذا المخطط، فسياسة القضم التدريجي للأراضي الفلسطينية التي احتلت بعد عدوان الخامس من يونيو عام 1967 تأتي في إطار هذا المخطط، فالاستيطان فوق أراضي الضفة الغربية المحتلة حوّلها إلى كتل بشرية للمستوطنين «الإسرائيليين»، الأمر الذي يجعل من إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة فوق هذه الأراضي في عداد المستحيلات، ناهيك عن أن «إسرائيل» أصلا ضمن مخططاتها الاستراتيجية تعمل من أجل إفشال أي جهد أو مشروع لإقامة مثل هذه الدولة.

يكفي أن تبقى القيادة الفلسطينية ثابتة على مواقفها السياسية إزاء مشروع تصفية القضية، فالدول العربية -كما أسلفنا القول- لن تذهب في اتجاه الضغط المباشر على السلطة الفلسطينية لإجبارها، أو حتى إقناعها بالانخراط في مشاريع التصفية التي تتعرض لها القضية الفلسطينية، ناهيك عن الشعوب العربية كلها تقريبا التي ما تزال عند مواقفها التاريخية الداعمة للمطالب المشروعة للشعب العربي الفلسطيني وترفض الانخراط في أي شكل من أشكال التطبيع مع «إسرائيل» قبل تحقيق هذه المطالب، ولا يغير من هذه الحقيقة صدور صوت هنا وآخر هناك يدعو الى مثل هذا التطبيع، فالشعوب العربية كلها حتى الآن ليست مستعدة لأن تقدم صك التطبيع على بياض، ولنا في تجربة الشعبين الشقيقين في مصر والأردن خير مثال على ذلك، إذ يرفض الشعبان الانسياق وراء تبعات التطبيع رغم مرور ما يربو على أربعة عقود على توقيع معاهدتي السلام بين الحكومتين المصرية والأردنية مع «إسرائيل».

الوضع العربي بشكل عام ليس على ما يرام، فالعلاقات العربية العربية تمر بأسوأ حالاتها، والوضع الفلسطيني الداخلي ليس بأفضل من الأوضاع العربية حيث الخلافات الفلسطينية الفلسطينية وصلت الى أخطر مراحلها وخاصة بعد أحداث قطاع غزة التي تمثلت في الانقلاب العسكري الذي نفذته حركة (حماس) ضد السلطة الوطنية الفلسطينية. هذه الأوضاع تصب بالدرجة الأولى في صالح «إسرائيل» وتشجع على المضي قدما في مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، ومن ضمنها مشروع «صفقة القرن» التي هي جزء من هذا المشروع الخطير.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news