العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

نتمنى جزائر متماسكة بعد المخاض؟

لم ترشح بوضوح بعد طبيعة المخاض الذي تعيشه الجزائر في ظل الأوضاع السياسية غير المستقرة مع استمرار التحركات الجماهيرية التي انطلقت بمطلب رفض الولاية الخامسة للرئيس الجزائري المستقيل عبدالعزيز بوتفليقة وتواصلت وتصاعدت المطالب إلى تغيير شامل للنظام في الوقت الذي تتمسك فيه قيادة الجيش الجزائري بأهمية الالتزام بالدستور كبوصلة نحو التغيير الذي تطالب به الجموع الجماهيرية الجزائرية. ما هو مؤكد أن الجزائر حاليا تمر بشكل من أشكال المخاض التي عاشتها دول غيرها من قبل وأنجبت «مواليد» ذوي صفات مختلفة، فلم تكن جميع هذه «المواليد» قابلة للحياة أصلا بل تحولت إلى عالة على كاهل من أنجبها؛ أي الشعوب التي تسببت في إحداث هذا المخاض من دون أن تكون على دراية بما سوف يتولد عنه مستقبلا.

الجمود، في أي مجال من المجالات يفضي بكل تأكيد إلى الفناء، هذه حقيقة غير قابلة للدحض والتكذيب، فالتغيير؛ أي التطوير، هو سنة من سنن الحياة فلا بديل سوى التمسك والإيمان بهذه السنة، وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الشعوب وعلى هياكل الدولة المختلفة، وهناك فرق بين المطالبة بالتغيير من أجل الصعود إلى الأفضل، وبين المطالبة بالتدمير تحت حجة أو عنوان التغيير، هذا ما يطرحه عقلانيو الجزائر وما تتحدث عنه قيادة الجيش، ولكن مع الأسف هناك في أوساط الجماهير من يتجاهل هذه الحقيقة ويصر على شكل من أشكال التغيير الذي من شأنه أن يحدث فراغا في الدولة الجزائرية يفضي إلى الانزلاق نحو المحظور.

فالأحداث التي تشهدها الجزائر حتى الآن يمكن وصفها بأنها أحداث في الإطار السياسي المقبول وهناك إدراك لدى شرائح واسعة من الشعب الجزائري ومن مختلف القوى السياسية المشاركة في هذا الحراك الجماهيري من أن التغيير يجب أن يتم في إطار المصلحة الوطنية والابتعاد عن النرجسية السياسية ووضع مطالب واشتراطات تعجيزية أمام السلطة القائمة لأن ذلك من شأنه أن يجر أطراف الحراك المختلفة إلى مرحلة من سوء الفهم واهتزاز الثقة والشكوك في النوايا، خاصة أن هناك قناعة لدى جميع الأطراف بضرورة وحتمية التغيير وتطوير النظام السياسي في الجزائر نحو الأفضل بما يخدم مصلحة الجزائر شعبا ووطنا.

يفترض من القوى السياسية الجزائرية التي تقود الحراك الجماهيري الحالي أن تتحدث بلغة عقلانية وطنية بعيدة المدى تأخذ في الاعتبار مصالح الشعب الجزائري والوطن بشكل عام، بحيث لا يكون التغيير الذي تطالب به، على حساب هذه المصالح فتكرر التجربة السورية والليبية التي أدت إلى تدمير البلدين العربيين وأدخلتهما في حالة من الفوضى والاقتتال الداخلي وتشريد ملايين السكان من مدنهم وقراهم ووطنهم، فجميع القوى الجزائرية ومن منطلق المسؤولية الوطنية العليا يجب أن تضع مصلحة الوطن فوق جميع حساباتها السياسية والحزبية وأن تعتبر هذه المصالح بمثابة الخطوط الحمراء التي يجب أن يتفق الجميع على عدم السماح بتجاوزها.

لا يساور أي من مراقبي تطور الأحداث في الجزائر أدنى شك في أن تغييرا سياسيا في هذا البلد قادم لا محالة، فمسألة هذا التغيير ليست محل نقاش أو جدال أكثر ما هي أشبه بالحقيقة الواقعة أصلا، لكن الأهم هو طبيعة هذا التغيير وإلى أي اتجاه يمكن أن يأخذ الجزائر وشعبها، فهناك بكل تأكيد قوى دولية منها بالدرجة الأولى تسعى بشتى الوسائل والسبل إلى دس أصابعها في الأزمة الجزائرية، لدفعها إلى الاتجاه الذي يخدم مصالح هذه القوى وليست مصالح الشعب الجزائري الشقيق، فالتجارب التي مرت بها العديد من بلداننا العربية والتي مرت بنفس المخاض الذي تعيشه الجزائر الآن تؤكد صحة هذه الشكوك والنوايا غير الأمينة.

التغيير الذي يجب أن يحدث في الجزائر يفترض ألا يكون على حساب وحدة الشعب الجزائري وكيان الدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة، ومن حيث النظرة الاستراتيجية بعيدة المدى، فليست هناك مصلحة لأي من مكونات الشعب الجزائري وقواه السياسية المختلفة، أن تتعرض هذه السيادة لأي شكل من أشكال الخدش وأن تهدد أركان الدولة الجزائرية، فالسيادة والدولة هما ملك للجميع ومن أجلهم وأن أي إضعاف للدولة سيكون حتما على حساب مختلف مكونات الشعب الجزائري، فالقوى الخارجية التي تدخلت في الشؤون الداخلية لعدد من الدول العربية استهدفت أكثر شيء بنيان الدولة.

الجزائر بالنسبة إلى الدول العربية تشكل واحدة من أهم ركائز الأمن القومي العربي ولها حضور مميز وفعال في مختلف القضايا القومية، مثل هذه الخصوصية القومية لا بد أن تكون مستهدفة كما حدث مع دول عربية أخرى لها دور وتأثير في القضايا القومية مثل العراق وسوريا وليبيا، هذه الدول التي شل دورها بشكل شبه تام عن القيام بأدوارها القومية، فهناك خوف حقيقي من إيقاع الجزائر في نفس الفخ الذي دفعت إليه هذه الدول، عن طريق استغلال الطموحات المشروعة لشعوبها نحو التغيير إلى الأحسن، وفي الواقع فإن مثل هذا التغيير لم يحدث في الدول الثلاث وإنما ذهبت شعوبها إلى الأسوأ.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news