العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

غزة تنزف لكنها لن تموت

إلى جانب استخدامها المفرط للقوة العسكرية في عدوانها الأخير على قطاع غزة المحاصر، لجأت «إسرائيل» هذه المرة إلى رفع وتيرة استخدامها سلاح الإعلام بجميع أصنافه في مسعى منها لتشويه حقيقة ما يحدث في هذا القطاع وطبيعة الجرائم التي اقترفتها قوات الاحتلال في عدوانها الأخير واستهدافها المتعمد للمرافق المدنية والسكنية، الأمر الذي تكشفه حجم الإصابات التي لحقت بالمواطنين الفلسطينيين، سواء أعداد الشهداء أو المصابين فضلا عن حجم الأضرار التي ألحقتها قوات الاحتلال ببيوت المواطنين والمنشآت المدنية الأخرى، مثل هذا السلوك والنتيجة ليس بجديد في سجل «إسرائيل» الإجرامي وفي طبيعة ما تقترفه من اعتداءات متواصلة ضد السكان المدنيين وعادة ما تبرر ذلك بحجة «حقها في الدفاع عن النفس»، وهو الحق الذي تصادره وتحرمه على الآخرين، كما يجري الآن في قطاع غزة وفي غيره من المناطق الفلسطينية الأخرى.

جريمة قتل الرضيعة الفلسطينية صبا أبو عرار التي استشهدت جراء استهداف قوات الاحتلال منزل عائلتها في حي الزيتون بقطاع غزة ووالدتها التي لحقت بها بعد يوم من استشهادها، لم تكن الجريمة الأولى من نوعها فأعداد الأطفال الفلسطينيين ومن مختلف الأعمار الذي استشهدوا جراء الاعتداءات «الإسرائيلية» لا حصر لها، هذا النوع من الجرائم لن يكون الأخير طالما بقيت «إسرائيل» فوق القانون الدولي وخارج المساءلة القانونية والإنسانية بفضل الغطاء السياسي الواسع الذي توفره الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها لدولة الاحتلال.

جرائم «إسرائيل» ضد سكان قطاع غزة لا تنحصر في أعداد الشهداء والجرحى الذين يسقطون جراء الاعتداءات المتكررة على القطاع، وليس في الأضرار المادية والاقتصادية الناجمة عن هذه الاعتداءات، فعلى مدى ما يزيد على اثني عشر عاما متواصلة حولت «إسرائيل» معيشة وأوضاع المواطنين الفلسطينيين في القطاع إلى حياة لا تطاق، حيث يستمر الحصار الإجرامي الذي تفرضه «إسرائيل» وتمنع من خلاله وصول الاحتياجات المعيشية والحياتية إلى أبناء القطاع، بما في ذلك مواد البناء الضرورية لإعادة بناء المرافق التي يدمرها الاحتلال خلال اعتداءات قواته المتكررة على القطاع، أضف إلى ذلك ما يعانيه القطاع من نقص حاد في المواد الغذائية والأدوية وهي من الاحتياجات الإنسانية الضرورية.

هذا الوضع المأساوي الذي فرضته «إسرائيل» على سكان قطاع غزة لا تنظر إليه الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول على أنه جريمة مكانها الوحيد هو خانة الجرائم ضد الإنسانية، والفلسطينيون حين يقاومون ويتصدون للاعتداءات «الإسرائيلية» بكل ما يملكونه من إمكانيات محدودة مقارنة بما في حوزة «إسرائيل» من ترسانة أسلحة، إنما يفعلون ذلك من منطلق الحفاظ على كرامتهم الوطنية، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر فإنهم ليس لديهم ما يخسرونه إذا تمادت «إسرائيل» في مواصلة جرائمها وصعدت من اعتداءاتها. 

قادة الكيان الصهيوني منذ اليوم الأول لإقامته على أرض فلسطين التاريخية دأب على تقديم نفسه على أنه الضحية المستهدفة من قبل الدول العربية وعلى هذا المنوال سارت الدعاية الصهيونية المدعومة بالآلات الإعلامية الأمريكية والأوروبية التي عملت على تصوير النضال الوطني الفلسطيني على أنه «إرهاب» يستهدف القضاء على «واحة الحرية والديمقراطية»، وقد نجحت هذه الآلة في تحقيق مكاسب سياسية لا يستهان بها، بل استطاعت أن تخترق حاجز الرفض العربي لسياسة الكيان الصهيوني وهو ما يتجلى من خلال ما يصدر من تعليقات وكتابات عربية تنتقد بخجل هذه السياسة وأحيانا أخرى تقف من الطرفين الضحية والجلاد، على مسافة واحدة.

الدعاية «الإسرائيلية» وحلفاؤها يصورون الرد الفلسطيني على اعتداءات «إسرائيل» الهمجية على أنه «إرهاب» من خلال استهداف الفصائل الفلسطينية للمستوطنات «الإسرائيلية»، أما ما تقوم به «إسرائيل» من اعتداءات واستخدام جميع أنواع الأسلحة والذخيرة، بما في ذلك المحرمة دوليا، إنما هو «حق مشروع للدفاع عن النفس»، وهو الأمر الذي تؤكده مواقف الدعم العلني الذي تلقاه السياسة «الإسرائيلية» من جانب الإدارة الأمريكية وبعض الدول الأخرى التي تمتنع عن إدانة الممارسات «الإسرائيلية» تجاه الفلسطينيين.

«إسرائيل» تستغل تقلب المزاج السياسي في الشارع العربي تجاه حركة المقاومة الإسلامية «حماس» والفصائل «الإسلامية» بشكل عام، من أجل إنجاح سياسة تشويه الصورة الحقيقية لنضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه المشروعة، فإن يكن الموقف من سياسة «حماس» في قطاع غزة وعلاقتها بالسلطة الوطنية الفلسطينية ومسؤوليتها الجزئية عن استمرار الخلافات داخل البيت الفلسطيني، فإن الحركة تبقى جزءا من حركة النضال الوطني الفلسطيني من أجل استعادة الحقوق المشروعة، وما تقوم به حركة «حماس» في مواجهة الاعتداءات «الإسرائيلية» إنما هو عمل يندرج ضمن الحق المشروع لمقاومة الاحتلال وبجميع الوسائل التي كفلتها القوانين والشرائع الدولية.

فــ«إسرائيل» تستطيع أن تدمر وتقتل من تشاء من المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة وفي غيره من المناطق المحتلة، وتستطيع أن تتباهى بما تحت تصرفها من عتاد وإمكانيات عسكرية كبيرة، وبمقدورها أن تركن إلى الدعم المطلق العسكري والسياسي والاقتصادي، من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها رغم كل هذه الإمكانيات لن تستطيع إجبار الشعب الفلسطيني على التسليم بما تشاء أو يشاء حلفاؤها وأصدقاؤها، تاريخ الصراع المستمر والمتواصل منذ سبعة عقود يؤكد هذه الحقيقة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news