العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

دراسات

انعكاسات القرار الأمريكي بوقف العمل بالإعفاءات على الصادرات النفطية الإيرانية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ٠٧ مايو ٢٠١٩ - 01:15

أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» عدم تجديد إدارته لإعفاءات النفط المستورد من إيران، والممنوحة لثماني دول، هي: (الصين، واليونان، والهند، وإيطاليا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان، وتركيا) اعتبارًا من الثاني من مايو، ما يضع الاقتصاد الإيراني في ورطة.

 وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على شراء النفط الإيراني في نوفمبر الماضي، بعد أن أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أحادي من «الاتفاق الإيراني النووي» في مايو 2018. بدافع إلحاق الضرر باقتصاد إيران وعزلها، حيث أكد البيت الأبيض، في بيان له، أنه مُصمم على مواصلة وتوسيع نطاق الحد الأقصى من حملة الضغوط الاقتصادية الممارسة ضد إيران لإنهاء نشاط نظامها المُزعزع للاستقرار، الذي يُهدد الولايات المتحدة وشُركاءها وحلفاءها، وكذلك الأمن في الشرق الأوسط، وقال وزير الخارجية الأمريكية «مايك بومبيو»، في بيان له: «لن نمنح إعفاءات بعد الآن».

ويعد قرار ترامب الأخير جزءًا من مساعيه الحثيثة لتضييق الخناق على إيران وفق استراتيجيته المسماة «الضغط الأقصى»، فقرار إيقاف الإعفاءات سبقته سلسلة من الإجراءات العقابية كان أهمها: تصنيف أكثر من 970 كيانًا وفردًا إيرانيًّا مساندين للإرهاب، وفرض عقوبات على 70 مؤسسة مالية إيرانية، وإدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب، لتتوَّج قراراته بإلحاق الضرر المباشر بصادرات إيران النفطية التي تشكِّل 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وقد رأت الولايات المتحدة أن ذلك أفضل وسيلة لتقليص التمويل الإيراني للمنظمات الإرهابية، والسيطرة على أنشطتها المزعزعة للاستقرار في سوريا، والعراق، وأفغانستان.

وتأتي هذه الخطوة المتشددة من الإدارة الأمريكية التي يُعتَقد تكون لها تداعيات وعواقب عدة، منها: 

أولا: احتمالية التصعيد الإيراني، فقد هددت إيران بأن إدراج الحرس الثوري على قوائم الإرهاب ستكون له عواقب وخيمة، باعتبار أن ذلك من قبيل الممارسات العدوانية والاستفزازية غير المُبررة من واشنطن، ويُنتظَر أن تتخذ طهران موقفًا إزاء تعطيل اقتصادها النفطي، وهو ما ألمح إليه قائد بحرية الحرس الثوري «رضا تانجسيري» بأن الرد الإيراني سيشمل إغلاق مضيق هرمز، وأنه إذا مُنعت إيران من استخدامه فستقوم بإغلاقه.

وعلى صعيد آخر، يرى محللون أن القرار الأمريكي لن يدفع بالتصعيد الإيراني إلى حد الصدام، ووقوع اشتباكات بين الولايات المتحدة وحلفائها، وبين إيران، بل ستتجه إيران إلى الخطب النارية دون تنفيذ فعلي، وذلك لأن تهديدها بإغلاق مضيق «هرمز» من شأنه أن يضر بباقي تجارتها، وهو ما اتجه إليه «رأي تقية»، بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، في قوله: «لقد قررت السلطات الإيرانية تحمل الضغوط وانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة لعام 2020 على أمل وصول رئيس ديمقراطي أقل تشددًا خلفًا لترامب. من المرجح أن تُبقي طهران على هذه الاستراتيجية؛ لعدم توافر خيارات أخرى». 

ثانيا: تأزم الوضع الداخلي الإيراني، فنظام إيران يدرس العواقب الاقتصادية المحتملة للتطبيق الكامل للعقوبات عليها، منها: انخفاض قيمة العملة، وانسحاب المستثمرين، وهو ما ذهبت إليه «سوزان مالوني» نائبة مدير برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينجز، في قولها: «فرض عقوبات أمريكية على إيران قد تسبب بالفعل في خسائر فادحة على البلاد، أبرزها: تراجع قيمة عملتها المحلية، وخروج معظم المستثمرين الأجانب ذوي السمعة الطيبة، وتعقيد شديد لجميع المعاملات التجارية الدولية، مع توقع صندوق النقد الدولي انكماشا في الاقتصاد الإيراني خلال العام الحالي قدره 6%».

ثالثا: تحجيم النفوذ العسكري الإيراني في الشرق الأوسط، كنتاج لتدهور الظروف الاقتصادية، وهو ما يدفع إلى تحقيق هدف العقوبات الأمريكية. وإن كانت احتمالية تحقق هذا السيناريو غير مرجحة، فالأقرب إلى المنطق الإيراني هو استغلال العقوبات الأمريكية لإضفاء الشرعية على عدوانها الإقليمي المستمر، واستراتيجيتها المزعومة «الدفاع المتقدم» أو «الدفاع على الجبهات الأمامية».

وتؤكد «باربرا سلافين» مُديرة مبادرة «مستقبل إيران» في «المجلس الأطلسي»، أن «الإجراء الأمريكي سوف يغذي الرواية الإيرانية عن تعرضها للاعتداء، ويُمكّن الحكومة من إلقاء اللوم على ترامب بشأن ما تعانيه طهران من أزمات اقتصادية، ولن يغير هذا الإجراء من الموقف الإقليمي لإيران، خاصة في وقت تقوم فيه الولايات المتحدة بسحب قواتها من الشرق الأوسط، وتقلص مساعداتها للتنمية وإعادة الإعمار».

رابعا: التأثير على الانتخابات الأمريكية 2020. فالقرار الأمريكي ينذر بزيادة أسعار النفط كنتاج لنقص المعروض الإيراني منه، وذلك في ظل الارتفاع الفعلي لأسعار خام «برنت» - وهو خام نفطي يستخدم لتسعير أكثر من ثلثي بترول العالم- إلى 72 دولارًا للبرميل، ما يؤثر سلبًا على حياة المواطن الأمريكي، ويوضح «باتريك كلاوسون» مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن «أسواق النفط متقلبة، ويمكن أن ترتفع أسعار البنزين في الولايات المتحدة مع اقتراب الأمريكيين من موسم العطلات الصيفية، ما يضر بالجمهوريين قرب الانتخابات، ويجعل المواطن الأمريكي يتجه بصوته إلى اختيار الديمقراطيين، تأثرًا بالوضع الاقتصادي»، ويرى «راندولف بيل» مدير مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي: «ستضطر إدارة ترامب إلى الاختيار بين هدفين متناقضين: خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، والإبقاء على أسعار النفط منخفضة».

خامسا: استفادة كل من السعودية والإمارات، فالخطوات التصعيدية الأمريكية تمنحهما الفرصة لزيادة حصتهما في سوق النفط العالمي؛ كما ستقدم لهما ثقلا استراتيجيا في مواجهة عدوهما الإقليمي، وتزيد قوة العلاقة الأمريكية الخليجية، التي نمت طوال فترة ولايته. وتقول «ميجان أوسوليفان»، في وكالة أنباء بلومبرج وزميل مجلس العلاقات الخارجية، إن «قرار ترامب عدم منح إعفاءات لمستوردي النفط الإيراني، على الرغم من احتمالية ارتفاع أسعار النفط الحالية بشكل غير مريح جراء القرار، سيمنح السعودية فرصة لتعويض حصة إيران من دون المساس بالسعر».

وقد اتُّخذ القرار الأمريكي بعد جولة مشاورات بين واشنطن والرياض وأبو ظبي انتهت إلى زيادة الإنتاج النفطي السعودي الإماراتي بنحو 0.8 مليون برميل يوميًّا؛ لتعويض نقص النفط الإيراني من السوق العالمي، وقال «جيرالد فايرستاين» السفير الأمريكي الأسبق باليمن: «جاء هذا القرار، على الأرجح، بعد جولة مشاورات واشنطن مع الزعماء السعوديين والإماراتيين التي أُجريت مؤخرًا.. من المحتمل أن يكون ترامب قد تم تشجيعه على اتخاذ هذا القرار الآن، بدلا من تأجيله لوقت لاحق خلال العام، من خلال الضمانات التي قدمها هؤلاء الحلفاء الرئيسيون للولايات المتحدة».

أخيرا: توتر العلاقات الأمريكية التركية، فاليونان وإيطاليا وتايوان، خفّضت بشكل وقائي وارداتها من النفط الإيراني إلى الصفر، ومن ثم لن يطولها أي تأثر، كما أعلنت الهند واليابان، في 22 أبريل، أن لديهما مصادر بديلة متاحة بسهولة، ومن ثم لن تواجها أضرارًا اقتصادية. 

أما بالنسبة إلى تركيا، ونظرًا إلى قربها الجغرافي من إيران وعلاقاتهما الاقتصادية التاريخية، فإن التداعيات السياسية الناجمة عن قرار ترامب وتجاهله لتلك النقطة، تفاقِم من التوتر الحالي القائم بين أنقرة وواشنطن. فقد أعربت أنقرة بالفعل عن استيائها من هذه الخطوة، حيث صرح وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو»، في تغريدة، بأن «تركيا ترفض فرض عقوبات أحادية الجانب، وفرض إملاءات بشأن كيفية إدارة الدول لعلاقاتها مع الدول المجاورة».

إن قرار الإدارة الأمريكية سيؤدي بلا شك إلى مضاعفة العداوة القائمة بالفعل، والتي من المحتمل أن تزداد وتيرتها بشكل غير مسبوق بين هذين الحليفين. وفي هذا الصدد، تقول «سامانثا سلتون» زميل برنامج الأعمال والاقتصاد العالمي بمركز سكوكروفت للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي، إن «قرار إلغاء أي إعفاءات فيما يتعلق بشراء تركيا للنفط الإيراني لن يغري أنقرة بإعادة تنظيم المصالح الأمريكية».

وبالمثل ستتأثر العلاقات الأمريكية مع الصين جراء إلغاء الإعفاءات، ما سيدفعها إلى محاولة تجنب العقوبات، وتقويض السلطة الاقتصادية الأمريكية، المعنية بتطبيق تلك العقوبات، خاصة في ظل اعتماد الصين الشديد على النفط رخيص الثمن الذي توفره لها إيران؛ إما من خلال المشتريات النفطية عبر السوق السوداء، أو باستخدام عملة بديلة للدولار، ويؤكد المحللان «كيث جونسون» و«روبي جرامر» بمجلة فورين بوليسي الأمريكية، أن «الصين، على وجه الخصوص، لم تمتثل مطلقًا لمطالب الولايات المتحدة بالتخلي عن شراء الخام الإيراني»، لكن المقاومة الصينية ستختلف عن المقاومة التركية، فلن تلجأ الصين إلى الصدام مع الولايات المتحدة، في ظل اتجاه الدولتين لعقد هدنة اقتصادية بعد فترة طويلة من تضرر اقتصاديهما.

واستخلاصًا لما تقدم، فإن القرار الأمريكي، الذي هدف إلى تقويض النظام الإيراني، سيؤثر بالسلب على اقتصاد طهران التي يُتوقَّع أن تواجه ظروفًا اقتصادية قاسية، تدفعها إلى تقديم تنازلات، منها إجراء مفاوضات مع الرئيس الأمريكي الذي سبق وأعلن أنه على استعداد لمقابلة الرئيس الإيراني «حسن روحاني» في أي وقت ومن دون شروط مسبقة. وفي هذه الحال هل يُقدِم ترامب على خطوة كهذه من دون التنسيق مع حلفائه؟ لا نعتقد ذلك.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news