العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

مقالات

مبدعون في تدمير الذات

بقلم:د جعفر الصائغ

الثلاثاء ٠٧ مايو ٢٠١٩ - 01:15

 يعرف علماء النفس تدمير الذات بأنه سلوك يقوم به الإنسان ويؤثر سلباً على عقله أو عمله أو ماله ومستقبله من خلال الخيارات التي يتخذها. وهذا السلوك السلبي «غالبًا ما ينتاب الشخص عندما يصاب بالإحباط فيتصدر الفشل الواجهة بينما تتوارى النجاحات التي غالبًا ما تكون صورتها باهتة وضعيفة وغير واضحة في ذهنه». الإنسان بطبيعته معرض دائما لخيارات وتحديات وأزمات مالية اجتماعية صعبة وقد ينجح تارة ويفشل تارة اخرى في التعامل معها. وهذه هي سنة الحياة، فليس هناك مجتمع أو فرد في هذا الكون يخلو من المشاكل والصعوبات. فالحياة تجارب ومواقف وعبر ومدرسة نتعلم منها مفاتيح الفشل والنجاح. التحدي الاهم والأخطر يكمن في تكرار الفشل في اتخاذ القرار الأنسب، فقد تكون له كارثة مدمرة للفرد. كثير من الصعوبات والعراقيل والأزمات قد نخلقها جهلا وضعفا لأنفسنا والبعض منها قد يخلقها الآخرون لنا لمنعنا من النمو والتطور ومنافستهم في العلم والأعمال.

علماء النفس يقولون إن وجود المشكلة أو الأزمة ومواجهتها تقوّي من قوة وصلابة الفرد والمجتمع، وقد تكون هي سببا لبناء مجتمع موحد قوي مبدع قادر على تحقيق النجاح والوصول الى أعلى المراتب. فعلى سبيل المثال بسبب الحربين العالميتين الأولى والثانية وجدت المؤسسات والهيئات الدولية التي أدت إلى إعادة تنظيم العلاقات الدولية، كما أن الحرب الأهلية الأمريكية أنجبت دولة عظمى عالمية. كذلك اليابان فهزيمتها في الحرب العالمية الثانية حوّلتها الى قوة اقتصادية عظمى في العالم ولم تصب بداء الإحباط وتدمر ذاتها.

الناس في مواجهة التحديات والأزمات إما ضعفاء وإما أقوياء، الانسان ضعيف ليس لأنه ناقص عقل ومال وليس لأنه أمّي او متعلم جاهل أو مثقف غني أو فقير ولكن لأنه انهزامي بطبعه يرفع راية الفشل أمام أبسط المعوقات ويفشل في التعامل مع أبسط الامتحانات والعراقيل، فتجده يعلن انسحابه مبكرا أمام أي تحدّ يواجهه. وهؤلاء الانهزاميون هم في علم الادارة والاجتماع فاشلون متشائمون فاقدون للرؤية، لا يمكن الاعتماد عليهم في بناء مجتمع متطور أو حتى تنفيذ خطط طويلة الأمد وذلك بسبب أنهم لم يتعلموا من مدرسة الحياة غير النظريات الهادمة، فهم يفتقدون المعرفة والحنكة والإدراك والقدرة على العطاء. بينما البعض الآخر -وهم المبدعون المتميزون أصحاب المواهب والرؤية الثاقبة- تراه أكثر صبرا وفهما وقدرة وحنكة في مواجهة أعقد التحديات والأزمات وأكثرها خطورة، وهؤلاء هم السواعد الأساسية في بناء المجد والحضارة والنهوض بالأمم. علماء النفس درسوا حالة الضعفاء (الفاشلين) كما درسوا حالة الأقوياء (الناجحين وتعرفوا على الفوارق بينهما والأسباب الحقيقية التي تجعل كلا منهما قادرا أو غير قادر على العطاء في العملية التنموية)

لقد وجدوا ان ما يتميز به الفاشلون عن غيرهم هو أن لديهم القدرة الخارقة في تدمير أنفسهم بقدراتهم الذاتية. فهم مثل الناجحين لديهم قدرات وعقول ومهارات وكفاءات إلا أنهم متميزون في استخدام هذه الإمكانيات بطريقة إبداعية لتدمير أنفسهم ومجتمعهم ومن ثم البقاء في الجهل يعتمدون في حياتهم على الآخرين.

فعندما يبدع الفرد في تحطيم ذاته تكون النتائج كارثية على المجتمع إذ يتجذر الجهل ويصبح الوصول الى اعلى مراتب الجهل والتخلف هدفا استراتيجيا.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل المجتمعات العربية أصبحت أكثر نضجاً وفهما وقوة بعد الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عاشتها أم إنها أصيبت بداء العظمة وتدمير الذات؟

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news