العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

أعاده الله علينا بالخير

‭}‬ مليار ونصف مسلم، يستقبلون معًا هذا الشهر الفضيل كل عام، ولتنعم النفوس بالروحانيات، وتجاهد في نفسها أعظم جهاد، ليس الصيام عن الأكل والشرب إلا أحد عناوينها، فالقصة  في تربية النفس، والمكابدة في السمو بها، والالتحام بكل قول وفعل يزكيها، خاصة ونحن في زمن طغيان الماديات، نتلهى بها، وننسى الرحلة العظمى لتنقية الروح من شوائبها، فيأتي رمضان كل عام ليتيح الفرصة في القيام بتلك الرحلة، وتمثل (بضم الثاء) كل القيم الإسلامية ومكارم الأخلاق، التي جاء الإسلام ليكملها ويدعو إليها، فتسنح للإنسان فرصة تدبر أهدافها وغاياتها، والارتحال في الكتاب المحكم لسبر أغواره، بعد أن تاهت البشرية في سراديب الظلام من الصراعات والحروب والتشيؤ والماديات، وفاضت الآلام النفسية عن مجاريها جراء الابتعاد عن الله، لتفتح السماء أبوابها، وتصفد الشياطين عن غواياتها، فيتطلع المسلم إلى صفحة قلبه، لينقيها من كل ما علق بها، وشكل نقاطها السوداء. إنه الشهر الذي يناجي العبد فيه ربه بشكل مختلف وبه ليلة خير من ألف شهر، لا يعرفها إلا من أراد الله أن يصل إليها.

‭}‬ في زحمة الحياة والانشغال بجدها ولهوها يتوه الانسان عن نفسه، وينشغل عن صلته بربه، فيأتي هذا الشهر الفضيل ليذكرنا بكل ما تهنا عنه وانشغلنا بعيدا عن الاحساس به، من قيم روحية وأخلاقية، ومن ضبط موازين النفس الأمارة بالسوء ويأتي ليضعها أمام حقيقة أن الله لم يخلق الخليقة والخلق سدى وعبثا، وإنما جعل الله الإنسان خليفة فيها، ليسمو فوق كل الكائنات كما أراده وكما سخر له كل شيء، ليصل إلى ذلك السمو الروحي، إن أدرك حقيقة هذا الشهر وعرف مدارجه ومداركه والصعود على سلالمه عتبة عتبة، فيخرج بعدها نقيا، صافيا مشعا كالبللور في غمرة الضوء!

‭}‬ أعاده الله علينا، فهناك من رحلوا عنا رحمهم الله جميعا، وهناك من بقي لكنه غافل عن نفسه، لا يرى في الشهر إلا كغيره، فيدخل فيه ويخرج منه وهو خالي الوفاض، لم يلجم غرائزه وشهواته، ولم يكبح سعار غضبه، ولم ينأ بنفسه عن شرورها، ولم يجنح بروحه إلى فضاءات النور، ولم يتمعن في خطاب الله إليه، ولم ينه نفسه عن الرياء أو النفاق أو الكذب أو الغيبة أو النميمة، ولم يتفكر في نعم الله عليه، لذلك تاه عن التفكر والتأمل في سر الحياة، فلم يمس روحه إدراك مغزى وجوده، ولماذا جاء إلى هذه الدنيا؟، وكيف رحيله؟ وما قيمة وحصيلة هذا الوجود الدنيوي في ميزان خالقه في الآخرة؟! إنه الشهر الذي يفتح الباب ليكون الإيمان أعمق، وتكون العبادات أصدق، والمعاملات أرقى.

‭}‬ لا نعمة مثل نعمة الأمان، ونعمة حفظ النفس وحفظ الوطن، تبدأ الروح رحلتها من النفس أصلا وتنتهي فيها، وفي المعايشات اليومية والمكابدات والارتقاء بها، تتشابك خيوط الروح الأخرى بالأسرة والأقارب وبالمجتمع، ليكون الإيمان هو الأيقونة الروحية الأقوى للنفس المؤمنة، التي تزن فتعدل في الميزان بين رحلة الحياة ورحلة الموت، وما بين الشغف الدنيوي والشغف بمجاهدة النفس، فتختلف الغايات من القيم الروحية والأخلاقية والدينية، وليزهو شهر رمضان على كل ما عداه من شهور بتلك القيم، فيتزود بها ليكمل ما تبقى له من طريق، وقد خشع قلبه لخالقه كل الخشوع، في زمن أشد ما تكون فيه الحاجة إلى العودة إلى الله، وإلى الصلة به بصدق وقوة. إنه رمضان أعاده الله علينا، والجميع والوطن والقيادة بخير وتبحر بنا إلى كل خير، وبلادنا العربية والإسلامية بأمان وخير.

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news