العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٦ - الجمعة ٢٤ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

.. حتى لا ننسى إدوارد سعيد!

بقلم: سيزار شلالة  

الأحد ٠٥ مايو ٢٠١٩ - 11:06

 ألقيت هذه السنة محاضرة مهمة بعنوان «خارج المكان: لاجئون، مهاجرون وقصصهم» وذلك تخليدا لذكرى إدوارد سعيد واحتفاء بإرثة الفكري الكبير. لقد جاءت هذه المحاضرة في الوقت المناسب كما أن المتحدث الرئيسي في هذه المناسبة، نغويان فيان، كان الرجل المناسب. هذا الرجل هو مؤلف رواية بعنوان «المتعاطف» وهو يتقاسم مع الدكتور إدوارد سعيد سمتين اثنتين –اهتماماته السياسية الكبيرة والرواج الكبير الذي لاقته أعماله وكتاباته. 

يشبه هذا المؤلف أيضا الدكتور إدوارد سعيد من ناحية أخرى لأن كلا الرجلين عاشا مهجرين وبعيدين عن أرض الوطن الأم. فقد كان نغويان لاجئا فيما كان إدارود سعيد مهجرا. إن القاسم المشترك بين الرجلين واضح ومؤلم ومأساوي أيضا. 

كان إدوارد سعيد واحدا من أبرز الكتاب الذين يمتازون بتحليلاتهم العميقة لأوضاع الشعب الفلسطيني، كما أنه كان من أشد منتقدي السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية والتي تتعامل بها مع الشعب الفلسطيني، ولكي نفي الرجل قدره كان إدوارد سعيد في حياته ينتقد الإسرائيليين، مثلما كان ينتقد الفلسطينيين. 

عقب حرب الأيام الستة التي اندلعت يوم 5 يونيو 1967 وحطت أوزارها في العاشر من نفس الشهر، كرس إدوارد سعيد كل جهوده وسخر قلمه وكتاباته من أجل مكافحة الصور النمطية التي تلاحق العرب في وسائل الاعلام الأمريكية، والتي لم تكن تدرك كثيرا الواقع السياسي والتاريخي في منطقة الشرق الأوسط.

في حرب الأيام الستة في يونيو1967 تكبدت الجيوش العربية (الأردن وسوريا ومصر) هزيمة عسكرية كبيرة في مواجهة إسرائيل التي كانت تلقى كل الدعم من حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية. 

أدت تلك الحرب إلى تهجير أعداد كبيرة من السكان المدنيين، كما تسببت في تداعيات وخيمة لا تزال نتائجها تؤثر في حياة الفلسطينيين والشعوب العربية وكل منطقة الشرق الأوسط. لقد هجر أكثر من 300 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقرابة 100 ألف مواطن مدني سوري من مرتفعات الجولان. وفوق ذلك كله مثلت تلك الهزيمة نكسة مريرة لاتزال آثارها تعيش في سيكولوجية جيل من الشعوب العربية وهي ستظل تعيش جرحا غائرا في الذاكرة. 

ظل الدكتور والمفكر والأكاديمي والمناضل السياسي إدوارد سعيد يتحدث عن التمثيل الغربي الخاطئ للقضية العربية. في سنة 1979 كتب مقالا  حول الصهيونية من منظور الضحايا وقد تحدث في ذلك المقال عن الشرعية السياسية وحق اليهود في وطن مثلما تحدث عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. 

كان الدكتور إدوارد سعيد من أبرز الشخصيات الفلسطينية في عصره. لاتزال رؤى محمود سعيد وآماله في إرساء السلام في منطقة الشرق الأوسط حية رغم مرور أعوام على وفاته. 

في سنة 1980 نشر الدكتور إدوارد سعيد مقالات في صحيفة ذا نايشن بعنوان: «الإسلام في أعين الغرب» وقد جاء في ذلك المقال ما يلي: لا يعرف الغرب إلا تفاصيل قليلة عن حياة العرب والمسلمين وإنسانيتهم، بمن في ذلك أولئك الذين يعملون في الشرق الأوسط ويغطون ما يجري فيه من أحداث، لذلك فإنهم لا يقدمون لنا سوى سلسلة من الصور الكاريكاتورية عن العالم العربي بطريقة تجعل هذه المنطقة هشة ولقمة سائغة للمعتدين العسكريين. 

تعمق الدكتور إدوارد سعيد بعد ذلك في تحليل هذه الأفكار في كتابيه المعروفين «الاستشراق» و«الثقافة والامبريالية» – وهو ما تطرق إليه أيضا في عدة مقالات نشرت له بعد ذلك تباعا.

يعتبر الدكتور إدوارد سعيد نفسه ضحية التشويه الإعلامي المنحاز ضد العرب والفلسطينيين. ففي يوم 3 يوليو من سنة 2000 كان إدوارد سعيد يقوم في جولة في منطقة الشرق الأوسط مع ابنه وديع، وقد التقطت له صورة وهو يرشق الحجارة عبر الخط الأزرق على الحدود بين إسرائيل ولبنان، وقد اتهم مباشرة بالتعاطف الشخصي مع الإرهاب والإرهابيين. نشرت تلك الصورة في العديد من كبرى الجرائد في الولايات المتحدة الأمريكية. بل إن الصحفي إدوارد ألكسندر قد وصف الدكتور إدوارد سعيد بعبارة «بروفيسور الإرهاب». 

تعرض إدوارد سعيد لانتقادات شديدة من الطلاب اليمينيين الذين يدرسون في جامعة كولومبيا الأمريكية أنه كان مستهدفا من عديد المنظمات واللوبيات اليهودية المؤيدة للدولة العربية. يحسب لرئيس جامعة كولومبيا أنه نشر رسالة من خمس صفحات يدافع فيها بقوة عن الدكتور إدوارد سعيد واعتبر أن ما يقوم به وما يكتبه وينشره إنما يصب في  حرية التعبير الأكاديمية. كتب رئيس جامعة كولومبيا يقول «على حد علمي لم تكن تلك الحجارة موجهة إلى أي أحد لو تتم إدانة من ألقى بها كما أن البروفيسور إدوارد سعيد نفسه يواجه دعوى مدنية أو جنائية». 

كان الدكتور إدوار سعيد أيضا عازفا بارعا على آلة البيانو وقد تولى مع صديقه دانييل بارينبويم تأسيس أوركسترا تعرف باسم West-Eastern Divan Orchestra وقد كانت تضم عازفين موسيقيين إسرائيليين وفلسطينيين ومن العرب أيضا. بعدها أنشأ الرجلان مؤسسة بارينبويم-سعيد في مدينة إشبيلية في إسبانيا من أجل رعاية المشاريع الموسيقية. 

حصل الدكتور إدوارد سعيد على الكثير من الجوائز، كما أنه منح أكثر من عشرين درجة جامعية شرفية من أعرق الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المعروفة في العالم. 

مات الدكتور إدوارد سعيد بعد تلك المسيرة الحافلة وحمل معه على قبره ألم رجل لم يستطع أن يعود إلى وطنه الأم. 

يوم 24 سبتمبر 2003 وبعد معاناة طويلة مع مرض سرطان الدم استمرت 12 سنة توفي الدكتور محمود سعيد في مدينة نيويورك، وقد كان آنذاك من أبرز الشخصيات الفلسطينية في تلك الحقبة. لاتزال رؤى إدوارد سعيد وآماله في إمكانية تحقيق السلام في الشرق الأوسط حية لم تمت. 

كتب الشاعر الفلسطيني الفذ محمود درويش يقول: «ما هو الوطن.. هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض.. ليس الوطن أرضا.. ولكنه الأرض والحق معا.. الحق معك، والأرض معهم». هكذا عاش أيضا إدوارد سعيد. 

 

إدوارد سعيد في سطور:

o ولد في1  نوفمبر  1935 في القدس وتوفي في 25 سبتمبر 2003 نيويورك. 

o يعد واحدا من أهم المثقفين الفلسطينيين وحتى العرب في القرن العشرين.

o أستاذ جامعي للغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك وهو من الشخصيات المؤثرة في النقد الحضاري والأدب

o من أهم كتبه «الاستشراق» – مسألة فلسطين – تغطية الإسلام – القومية والاستعمار والأدب – الثقافة والإمبريالية – نهاية عملية السلام – الإنسان ونقد الديمقراطية – المواطن المتناقض- الإنسان ونقد الديمقراطية.

كورييه انترناشيونال

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news