العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

شرق و غرب

الفلسطينيون في مواجهة «صفقة القرن»

الأحد ٠٥ مايو ٢٠١٩ - 11:01

بقلم: رمزي بارود 

اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية المزيد من الإجراءات خلال الأسابيع القليلة الماضية من أجل تعزيز موقف إسرائيل وعزل السلطة الفلسطينية قبل أن يقوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالكشف رسميا عما يسمى «صفقة القرن»، في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على أعمال الولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها يتم تجاهل خيارات السلطة الفلسطينية واستراتيجياتها. 

اتخذت سلطات واشنطن آخر إجراءاتها العقابية بتاريخ 3 مارس 2019 عندما أعلنت الإدارة الأمريكية إغلاق القنصلية الأمريكية في القدس، وهو ما يعني خفض مستوى بعثتها الدبلوماسية في فلسطين. فقد ظلت هذه القنصلية طويلا تعتبر على أرض الواقع بمثابة السفارة الأمريكية بالنسبة للفلسطينيين. بناء على الخطوة الأخيرة تم دمج موظفي القنصلية بالسفارة الأمريكية لدى إسرائيل والتي تم رسميا نقلها إلى القدس في شهر مايو 2018، في انتهاك صارخ للتوافق الدولي بخصوص وضع مدينة القدس المحتلة. 

قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية روبرت بالادينو إن هذا القرار «يأتي في إطار جهودنا الدولية من أجل تعزيز فاعلية وكفاءة التزاماتنا وعملياتنا الدبلوماسية». 

وفي الحقيقة فإن هذا الحرص على «فاعلية وكفاءة التزاماتنا وعملياتنا الدبلوماسية» لا علاقة له بالمرة بإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس. الأكيد أيضا أن هذا القرار يأتي في إطار استمرار الإجراءات الأمريكية المتتالية والرامية إلى «استبعاد ملف القدس من طاولة المفاوضات»، وفق كلام الرئيس دونالد ترامب نفسه، استباقا لأي مفاوضات مستقبلية. 

يعترف القانون الدولي بالقدس الشرقية باعتبارها مدينة فلسطينية محتلة غير أن هذا الأمر غير ذي أهمية بالنسبة لإدارة الأمريكي دونالد ترامب والتي قضت بذلك على توازن في تعاطيها مع ملف القدس وهي بالتالي إنما تتبنى الموقف الإسرائيلي من هذه المدينة المحتلة. 

تريد الإدارة الأمريكية إخضاع الفلسطينيين وإجبار القيادة الفلسطينية على القبول بهذه المقاربة «الغريبة» للسلام والتي وضعها جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب. سعيا لتحقيق هذا الهدفـ اتخذت سلطات واشنطن سلسلة من الخطوات الرامية إلى تخويف السلطة الفلسطينية ومن بينها قطع مبلغ 200 مليون دولار من المساعدات الأمريكية المباشرة لقطاع غزة والضفة الغربي والتي كانت تقدم سنويا من خلال وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). 

بعدها اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية يوم 10 سبتمبر قرارا آخر يقضي بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وهي تعتبر من الإشارات اللازمة والتي تكشف طبيعة ما تطلبه سلطات واشنطن من القيادة الفلسطينية: إما القبول بشروطنا وإما تحمل العواقب الوخيمة. 

ليس سرا أن مختلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة على السلطة في البيت الأبيض ظلت تدعم السلطة الفلسطينية في رام الله ماليا وحتى سياسيا. رغم أن السلطة الفلسطينية لم تكن دائما توافق على السياسات الخارجية الأمريكية غير أن بقاءها السياسي كان دائما يعتبر من أهم الأولويات الأمريكية. 

أما السلطة الفلسطينية فقد ساعدت بدورها سلطات واشنطن في تكريس مزاعمها بأنها تمثل «وسيط سلام نزيه» وما جعلها تعزز قيادتها السياسية في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط. 

وافقت السلطة الفلسطينية أيضا على مساعدة الجيش الإسرائيل على إدارة الأراضي المحتلة من خلال ما يسمى «التنسيق الأمني»، المدعوم ماليا من الولايات المتحدة الأمريكية. لقد برهنت السلطة الفلسطينية من خلال الاضطلاع بمثل هذا الدور على أنها ذات فائدة لداعميها الأمريكيين، والذين ظلوا طويلا يستفيدون منها. 

تظل السلطة الفلسطينية ملتزمة بهذه الترتيبات التي تنكرت لها سلطات واشنطن. أما الحكومة اليمينية المتطرفة التي يرأسها بنيامين نتنياهو فهي تعتبر أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لا يبذل ما يكفي من الجهود. 

«عباس لا يبذل ما يكفي من الجهود» تعني من وجهة النظر السياسية الإسرائيلية تخلي الفلسطينيين عن أي مطالب لهم تتعلق بالقدس الشرقية المحتلة كعاصمة مستقبلية لفلسطين، والقبول ببقاء السلام  «مستقبليا» والتنازل أيضا عن أي مطالب قانونية أو أخلاقية تتعلق بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة. 

لقد برهنت قيادة السلطة الفلسطينية أكثر من مرة على مرونتها السياسية والأخلاقية في الماضي غير أن هناك خطوطا حمراء لم يتجاوزها محمود عباس نفسه. يتعين علينا الآن أن ننتظر كي نرى ما إذا كان موقف السلطة الفلسطينية سيتطور في المستقبل لدى الإعلان عما يسمى «صفقة القرن». 

ظل الرئيس دونالد ترامب يبدي تأييدا أعمى لإسرائيل وسياساتها على مدى العامين الماضيين. بالمقابل فإن ما يزعج حقا أن محمود عباس وحكومته لم تتحرك بالشكل المطلوب من أجل التصدي للاستراتيجية السافرة الجديدة والتي تستهدف الفلسطينيين وحقوقهم التاريخية الشرعية. 

باستثناء بعض «الانتصارات» الرمزية في منظمة الأمم المتحدة والأجهزة والهياكل الأخرى المرتبطة بها فإن محمود عباس لم يفعل أي شيء يذكر من أجل بلورة تحرك فلسطيني موحد. 

يجب أن نقول بكل صراحة إن الاعتراف بدولة فلسطينية على الورق لا يمثل استراتيجية يمكن الاعتماد عليها لوحدها. فقد ظلت الجهود تبذل من أجل توسيع نطاق الاعتراف الدولي وذلك منذ المؤتمر الذي عقدته منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1988 في العاصمة الجزائرية الجزائر. 

في ذلك المؤتمر أعلن المجلس الوطني الفلسطيني عن قيام دولة فلسطينية وهو ما قوبل بإشادة وتأييد الملايين من المؤيدين للشعب الفلسطيني في مختلف أنحاء العالم. فقد سارعت عدة دول، وخاصة من بلدان الجنوب، إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المعلنة. 

لم توظف القيادة الفلسطينية ذلك الإعلان الرمزي في بناء استراتيجية واسعة هدفها تكريس الاستقلال على أرض الواقع. أما السلطة الفلسطينية فإنها تعتبر أن مجرد الاعتراف بالسلطة الفلسطينية يمثل هدفا في حد ذاته. اعترفت حتى اليوم 137 دولة عبر العالم بدولة فلسطين لكن المحزن أن إسرائيل قد سرقت المزيد من الأراضي الفلسطينية كما أنها وسعت المستوطنات وشيدت مستوطنات يهودية أخرى على الأراضي التي كان يفترض أن تكون جزءا من الدولة الفلسطينية المستقبلية.

كان يجب على القيادات الفلسطينية أن تدرك منذ البداية أن مجرد وضع العلم الفلسطيني على الطاولة في المؤتمرات الدولية، أو حتى الحصول على كرسي فلسطيني في صلب مجموعة السبع والسبعين من الدول النامية لا يمثل بديلا عن وضع استراتيجية حقيقية للتحرير الوطني. 

لا تزال الخلافات القوية تفرق اليوم ما بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين – حركة فتح بقيادة محمود عباس، وحركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة. يبدو أن محمود عباس يركز أكثر من أي شيء على إضعاف خصومه السياسيين في فلسطين أكثر من تركيزه على محاربة الاحتلال الإسرائيلي. 

خلال الأسابيع القليلة الماضية اتخذ محمود عباس المزيد من الإجراءات المالية العقابية التي تستهدف عديد القطاعات في المجتمع الغزاوي. بل إن أسلوب العقوبات الجماعية قد طال عائلات السجناء أو أسر أولئك الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي على مدى الأعوام الماضية.

في غياب أي جبهة موحدة أو استراتيجية حقيقة ومقاومة فعالة يعاني محمود عباس من ضعفه وهشاشة موقفه في مواجهة الضغوط والمناورات التي تقوم بها إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية. لم يفعل محمود عباس ما من شأنه أن يوحد الجبهة الفلسطينية الداخلية وبناء تحالفات حقيقية في منطقة الشرق الأوسط والعالم والتصدي للحملة الأمريكية من أجل مواجهة إرهاصات «صفقة القرن». 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news