العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٣ - السبت ٢٠ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الثقافي

في قصص السعودي فيصل الهذلى.. انحصار الإنسان في حيز ضيق!

السبت ٠٤ مايو ٢٠١٩ - 10:46

قرأت ثلاث قصص للقاص السعودي فيصل الهذلي وهي: «انتبه، في غرفة التحقيق، دائرة» القصص الثلاث تدور في اللا مكان واللا زمان، ما يضفي عليها طابعا إنسانيا عالميا أو كونيا. القصص رمزية فهي عندما تعيد قراءتها أكثر من مرة يظهر لك من الرمز ما يخفيه النص، فضلا عن الـأسلوب الرائع والمميز للكاتب، واللغة السليمة القوية الخالية من الحشو والزيادات.

القصص يربطها رابط واحد، أو نستطيع القول إن الكاتب منشغل بهم معين يظهر جليا أحيانا ومختبئا أحيانا في القصص وهو انحصار الإنسان في حيز ضيق، القيد الذي يتقيد به البشر، السجن الذي يسجن الروح وقد يكون هذا السجن برواز صورة كما في قصة «انتبه» أو حفرة كما في قصة «في غرفة التحقيق» أو دائرة كما في قصة «دائرة» فالرمز عند الكاتب هو بطل الأحداث والقيد هو الإطار الذي يحيط بالأحداث، واعتمد القاص في القصص الثلاث على أسلوب الحوار الثنائي بين شخصين، ما أضفى نوعا من التشويق والألفة والتسلية في نفس الوقت وفي قصة الدائرة كان الحوار مع شخص مجهول.

في قصة انتبه المتحدثان ينظران إلى شيء واحد ويحدث كل منهما الآخر عما يراه، هذا الشيء هو طفل إفريقي يتراقص ويضرب بقدميه الأرض بينه وبينهما شخوص كثيرة، أناس يتراقصون على وقع الأقدام، ولكنك تكتشف في النهاية أن الطفل ينظر إليهما ويحاول أن يرسم صورة لهما ويقول لهما أنتما كثيرا الحركة ولا أستطيع أن أتم رسم صورتي وهنا يأتي الإبهار في القصة، هما يتصوران أن الطفل يتراقص ولكنه يحاول أن يراهما من خلال رؤوس الناس المتراقصة، وهو الذي اتهمهما بأنهما هما من يتحركون ليصل إليك المغزى أن ما تراه ما هو إلا انعكاس لما يراه الآخرون فيك.

أما القصة الثانية وهي قصة في غرفة التحقيق فهو رجل مقيد في مخفر شرطة يتحدث تحت وقع التحقيق، هو متهم بقتل طفل ولكنك تكتشف في النهاية أن هذا الطفل هو نفس المتحدث حيث يسافر بك في رحلة عبر الزمن في سطور القصة القليلة ليشرح للمحقق أنه لم يقتل الطفل ولكن الطفل هو من أخذ يحفر بين قدميه حفرة بعصا صغيرة ثم ابتلعته هذه الحفرة، وهنا يصل إليك مغزى القصة القيد هنا هو الحفرة كما كان البرواز كما في القصة الأولى، وأن الإنسان هو من يقود نفسه إلى الهلاك بيديه لا بيد غيره.

أما القصة الثالثة وهي الدائرة فهي أمتعها على الإطلاق فهي عبارة عن شخص يقف وسط جموع الناجين، ويحدث شخص آخر عبر وسيلة اتصال ما ليرشده إلى طريق النجاة كما نجا هو ومن معه ويطالبه بأن يخرج من الدائرة التي يوجد بها وأنها دائرة من صنع يديه، يطالبه بالصعود إلى مرتفع أمامه ويشير إليه بيديه ويقول له ها أنا ذا اتجه إلينا تعال لتخرج من دائرتك المظلمة إلى آفاق النعيم، وينقطع الاتصال ويعود مرة أخرى ليكشف له من يحادثه على الطرف الآخر أنه هو من وصل إلى النعيم وأنك أنت المحبوس داخل دائرة معتمة ضيقة عليك أن تخرج منها.

قصة في غاية الروعة والتشويق والرمزية وهي تسير على نفس خط قصة انتبه، أنت ترى من أمامك في دائرة ضيقة مظلمة تحاول أن تنجيه ثم تكتشف أنه أيضا يراك كذلك، الرمز هنا قد يحملنا إلى عدم رفض الآخر، وعدم اتهامه بأشياء نحن واقعون فيها وكما نرى الآخرين محصورين في دوائر مظلمة أو إطارات صور أو حتى حفر هم أيضا يروننا كذلك.

القصص أكثر من رائعة ترقى إلى مستوى العالمية، نحن أمام كاتب من طراز فريد أتنبأ بأنه يحمل الكثير والكثير الذي قد يفاجئنا به يوما ما.

 

فيصل الهذلي قاص وروائي سعودي. 

القصة الأولى: انتبه.

سأله وقد اجتاح الحماس صوته:

- هل قلت بأنك رصدت ذلك؟

- وهل تظن بأنك الوحيد المبصر هنا؟

- لم أقصد.. هل رأيت تلك الأقدام؟ كنتُ منتبها إلى إيقاع تلك الأقدام الصغيرة. كانت تختلق شيئا... عزفا... لا أعلم.

- أما أنا فكنت أتأمل تلك الوجوه الضاحكة التي كانت ترتفع ثم تهبط وفقًا للإيقاع الذي تصنعه تلك الأقدام.. هاهو وجه يرتفع.. ثم يهبط. إن الصورة تتحرك ببطء. يمكنك تأمل عينيه. هل لاحظت ذلك؟ إنه ينظر إلينا. انظر إلى مسار بصره كيف يناور تلك الرؤوس الصاخبة بحركة عشوائية!

- بل انظر أنت إلى قدميه.. إن ذلك الطفل يتقدم نحونا.

- نعم أرى وجهه يتجاوز الحشود..

- ما بك؟ ما الذي أربكك؟

- لا أعلم، أتساءل ما أول كلمة سيتفوه بها!

- وما أدراك أنه يتحدث العربية؟ هو مجرد طفل إفريقي لا يعلم أن هناك عربا!

- ها هو يصل.

- ما الذي قاله؟ ما هذه اللغة؟

- إنها إحدى لغات قبائل الهوتو الإفريقية.

- لكن ما الذي قاله؟

- لقد قال: أنتما تكثران الحركة، وأخشى أن تتجاوزا إطار اللوحة قبل أن أتم رسمتي.

القصة الثانية: في غرفة التحقيق.

... فأجاب قائلاً:

- نكاد نعبر إلى الماضي حين نسمع أغنية، أو نشاهد صورة.. نكاد نعبر لكن الجسر الذي امتد في تلك اللحظات ينهار فجأة.. فنسقط، بل نهوي من على عرش تلك اللحظات التي أقسمت أرواحنا أثناءها بأنها شاهدت فيها جسرًا يمتد إلى الماضي المبارك، ورأت ما كنا عليه حين كنا أطفالاً..

قاطعه المحقق:

- لكنك لم تجب على سؤالي، لماذا قتلت ذلك الطفل؟

صمت طويلاً مطرقا برأسه وهو يتأمل قيدين معدنيين في يديه، ثم ارتفع رأسه وأجاب:

- ذات مرة شاهدت صورة احتشد فيها الماضي بلونيه (الأبيض والأسود) لم تكن تلك الصورة تخصني إطلاقًا.. لا أعرف صاحب تلك الصورة، لكنها لأحد المليارات من البشر الذين تقطعت بهم سبل العودة.. تأملتها طويلاً، ثم رفعت رأسي ونظرت يمينا فوجدت جسرًا قد امتد إلى هناك.

عبرت الجسر حتى نهايته، وفي الطرف الآخر الذي تفصل بيني وبينه هوة ساحقة رأيت ذلك الطفل الذي كنتُ عليه.. إنه أنا.. لقد كنت طفلاً ذات يوم!

كان جالسا وقدماه ممتدتان باتجاه الجسر.. كان يلهو بحفر الأرض بين قدميه.. ناديته بأعلى صوتي، لكن رأسه لم يرتفع أبدًا، لقد كان مستمرًا في حفر الأرض حتى ابتلعته تلك الحفرة!

أرأيت؟ لم أقتل ذلك الطفل، بل ظل يحفر حتى ابتلعته تلك الهوة!

 

القصة الثالثة: دائرة

كان يصرخ في الأفق الذي امتلأ بخطاب «الرسائل»:

الأمر يتعلق بالدائرة. إنها دائرة تحاصرك. دائرة من الآلام 

والمعاناة. أنت لا تجرؤ على المغادرة لأنك تحاصر نفسك بالشكوك والريبة. أنت من صنع هذه القيود. انظر إلى هذه الوجوه القاتمة!

أنت لا ترى إلا ما يتخلق داخل دائرتك. ولو اعتليت مرتفعًا لشاهدت نهاية لذلك. إنه حد أسود من الخوف الذي يمنعك من المغادرة. نعم إنه حد أسود دائري. انظر إلى ما بعد ذلك الحد.

ماذا؟ هل قلت إنك وجدت مرتفعا؟

هل صعدت؟

هل تراني؟ إني ألوح بيدي. نعم الآن أستطيع أن أراك، وبالكاد فعلت ذلك. هيا اركض نحو النعيم.. اركض. نعم تابع الركض. لا، لا، لا تتوقف.. لماذا؟

لماذا توقفت؟

أين أنت؟

ابحث عن مرتفع آخر...

أرجوك..

هيا إلى الحرية

نحن هنا.. هل تسمعهم؟

لقد كانوا مثلك أسرى!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news