العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٨ - الاثنين ٢٣ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ محرّم ١٤٤١هـ

بصمات نسائية

إعاقة ابنتي ووفاتها أحدثتا نقلة في حياتي

الأربعاء ٠١ مايو ٢٠١٩ - 10:10

مؤسسة برنامج دمج طلبة التوحد.. رئيسة تحرير صحيفة «التزام».. عضو الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية والمجلس الخليجي للتنمية البشرية وفريق أبناء الخليج للأعمال الإنسانية.. حاصلة علي دكتوراه فخرية في العمل الإنساني ونشر السلام.. خبيرة صعوبة التعلم.. مدربة الإعاقة د. عبير الجودر لـ«أخبار الخليج»:

حين اكتشفت إعاقة طفلتها الأولى بالشلل الدماغي شعرت بصدمة شديدة، سرعان ما خرجت منها، حيث لم يستغرق ذلك منها سوى بضع ساعات، قررت بعدها أن تتعامل مع محنتها على أنها منحة من الخالق، وهدية من القدر، تحولت مع الوقت إلى وسام على صدرها، وحافز قوي نحو التخصص العلمي في مجال الإعاقة، لتنقل بعدها خبراتها المتراكمة إلى الآخرين، ولتساعدهم علي تخطي مثل هذه التجربة الأليمة بسلام بكل تصالح مع النفس.

د. عبير الجودر مستشارة ومدربة الإعاقة، خبيرة صعوبة التعلم، امرأة مكافحة، صاحبة رسالة في الحياة فتحت من خلالها الكثير من نوافذ الأمل أمام فئة من المجتمع، هي في أشد الحاجة إلى الأخذ بسواعدها للوصول إلى بر الأمان، انطلاقا من إيمانها القوي بأنها تحمل الكثير من الطاقات والإبداعات التي يجب السعي نحو اكتشافها واحتضانها.

لقد تنقلت بها محطات الحياة بين الألم والأمل، والإخفاق والنجاح، ولكن ليس هناك أجمل من مذاق الحصاد الذي تشعر به اليوم، بعد مشوار طويل من الجهد والعطاء.

«أخبار الخليج» توقفت عند هذه التجربة الإنسانية والعلمية الثرية، والتي تحمل بين ثناياها الكثير من العبر والدروس، وذلك في الحوار التالي: 

متى بدأتِ رحلة العمل الإنساني؟

 كنت طفلة حساسة بشدة، تتمتع بشخصية هادئة ومسالمة، أحب مساعدة الآخرين، وأذكر هنا حالة طفلة زميلة لي في المدرسة بالمرحلة الابتدائية أثرت كثيرا في مسيرتي بعد ذلك وخاصة فيما يتعلق بالعمل الإنساني، حيث كانت تشعر بالظلم والاضطهاد في المدرسة لظروف خاصة بها، وظلت في ذهني حتى كبرت، وكأنها كانت تمثل بداخلي شرارة في انتظار من يطلقها نحو العمل الخيري، إلى أن واجهت أول التحديات.

وماذا كان أول تحدٍ؟

 أنا بطبيعتي ومنذ صغري كنت أعشق التحديات وكان أولها يتمثل في التخصص الدراسي الجامعي الذي وقع عليه اختياري  وهو اللغة العربية التي أحببتها كثيرا من معلمتي، والتي كانت تتمتع بنوع من الشدة الإيجابية المحفزة، وبالفعل قررت التخصص في هذا المجال رغم معارضة الكثيرين من حولي لصعوبته، ولكني تعاملت مع الأمر على أنه تحد ولا بد من مواجهته مع بذل الكثير من الجهد، وبقناعة شديدة بأن الله سبحانه وتعالى يوفق عبده حين يسعى نحو بلوغ هدفه ويجتهد في ذلك، وخضت التجربة وخلال دراستي بالجامعة رزقت بأول طفلة التي مثلت أهم نقلة في حياتي.

وما تلك النقلة؟

لقد اكتشفت إصابة طفلتي بشلل دماغي وكان ذلك عند عمر الشهرين ونصف الشهر تقريبا، وأدركت حينها أن الله سبحانه وتعالى لا يكتب شيئا لعبده إلا وفيه خير كثير له، صحيح أنني في البداية شعرت بصدمة شديدة، ولكن لم يستغرق الأمر مني سوى بضع ساعات، أدركت بعدها أهمية تقبل الأمر والتعامل معه بأسلوب خاص.

وكيف تعاملت مع هذه الصدمة؟

بعد استيعاب الموقف بدأت أشعر بأن هذه التجربة رغم ألمها فإنها هدية من الله سبحانه وتعالي، ومن القدر، وتعايشت معها بعد تقبل الموضوع، وواصلت حياتي مثلي مثل أي إنسانة عادية، وتخرجت بعدها، وعملت مدرسة لغة عربية، ثم قررت التعمق في مجال صعوبات التعلم، حتى أستفيد من ذلك في كيفية تعاملي مع ابنتي، وأصبحت أخصائية صعوبة تعلم في إحدى المدارس الابتدائية مدة ست سنوات. 

وماذا عن أسلوب التعامل مع ابنتك؟

لقد علمتني تجربة ابنتي أن أعطي كل ذي حق حقه، ومن ثم اهتممت بها بشدة، وقمت برعايتها بنفسي خلال عشر سنوات صعبة، توفيت بعدها، وكنت أشعر بسعادة كبيرة تجاه تحمل مسؤوليتها كاملة إنسانيا وطبيا، وقد أنجبت بعد خمس سنوات من ولادتها، وأصبح لدي ثلاثة أطفال غيرها، ولم أشعر بأي تخوف تجاه الإنجاب مرة أخرى، وقد أعانني الله سبحانه وتعالى على إعالة أبنائي وتربيتهم على أحسن وجه.

ماذا علمتك تجربة ابنتك؟

تعلمت من تجربة ابنتي ألا أستهين بقدرات أي شخص من ذوي الإعاقة، واستفدت كثيرا من قراءاتي عن العلاج الشعبي وأسلوب التغذية الصحيح لهذه الحالات، وخاصة عندما كانت تستجيب لي في تعلم بعض الأشياء لدرجة أدهشت البعض، وهذا ما أتمناه من قبل المجتمع ككل أن يؤمنوا بأن هذه الفئة تتمتع بدرجة من الوعي والفهم، وأنها بحاجة إلى اكتشاف قدراتها واحتضانها وقد ساعدني ذلك بشدة خلال تجربة عملي كأخصائية صعوبة تعلم.

كيف؟

لقد أتقنت عملي لدرجة إشادة الجميع بأدائي وبجهودي، وخاصة بعد تخصصي في حالات متلازمة داون والتخلف العقلي البسيط بعد وفاة ابنتي التي خصصت لها غرفة خاصة بالمنزل كانت بمثابة مستشفى صغير وفرت فيها كل أنواع الرعاية الطبية، حتى إنني في كثير من الأوقات كنت لا أستطيع النوم سوى أربع ساعات في اليوم.

وكيف تعايشت مع حادث الوفاة؟

بعد وفاتها عند سن العاشرة ونصف تقريبا أصبت بحالة نفسية عصبية وشعرت بأنني كنت غنية وافتقرت، ومع الوقت تقبلت الأمر خاصة بعد فتح الوزارة لتخصص أخصائية صعوبات التعلم، وقراري أن ألتحق به وتعلمت مهارات عديدة تختص بالتعامل مع هذه الحالات حتى أن صفي الذي أقوم بتدريس طلبته كان يفوز دائما لكونه أفضل الصفوف بالمدرسة خلقا وتنظيما رغم أن طلابه من ذوي الإعاقة، ولذلك تلقيت عرضا للعمل كمعلم منتدب في الوزارة للإشراف على صفوف ذوي الإعاقة، وتم ترشيحي للحصول على الماجستير في مجال التوحد.

وماذا بعد الماجستير؟

بعد عام من حصولي على درجة الماجستير صدر قرار بدمج حالات التوحد في المدارس، وتم تكليفي بتأسيس هذا البرنامج، والإشراف عليه، وكنت أول بحرينية تؤسس مثل هذا المشروع، فضلا عن المشاركة في تخطيط هندسة الصفوف الخاصة بهؤلاء، ثم حصلت على شهادة أخصائي مسؤولية مجتمعية في مجال منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة من الشبكة الإقليمية للمسؤولية المجتمعية، كما ترأست تحرير صحيفة «التزام» الصادرة عن تلك الشبكة، إلى أن جاء قرار التقاعد المبكر عقب خبرة 23 عاما.

ولماذا جاء قرار التقاعد المبكر؟

لقد قررت التقاعد المبكر وأنا في قمة عطائي، وذلك بعد أن شعرت بنوع من التهميش الأمر الذي أصابني بالإحباط، وهنا برزت فكرة مشروع خاص برعاية ذوي الإعاقة، وخاصة التخلف العقلي البسيط والتوحد، عبارة عن مركز متكامل يقدم جميع الخدمات لهذه الفئة، وخاصة أن التدخل المبكر يعتبر مهما جدا لهذه الحالات ولا توجد مراكز تكفي لاستيعاب كل هذه الأعداد الموجودة بالفعل، وفي انتظار من يحتضنها. 

ما رسالتك لأولياء أمور تلك الفئة؟

أقول لأولياء أمور هذه الفئة أن يؤمنوا بهم وبقدراتهم، وبأن لكل داء دواء، وألا يستسلموا أو ينغلقوا على أنفسهم، وينظرون إلى أطفال ذوي الإعاقة أنهم يمثلون مشكلة في حياتهم، بل يجب أن يتعاملوا معهم على أنهم تحد، ولا بد من مواجهته والانتصار عليه وهذا ما حدث معي شخصيا وأعتقد أن طبيعة شخصيتي المسؤولة كان لها أثر في ذلك. 

ومتى بدأت علاقتك بالمسؤولية؟

تعلمت المسؤولية منذ صغري فعندما كان عمري 15 عاما قمت بتأدية الدور البديل لوالدتي لثلاثة أطفال من الإخوة والأخوات وهم في سن الطفولة، ولذلك لم أجد أي صعوبة في تحمل مسؤولية أطفالي كاملة، وفخورة بذلك.

هل يكون الطفل المعاق أحيانا سببا في تفكك الأسرة؟

نعم، فوجود طفل معاق بالأسرة قد يؤثر أحيانا على الحياة الزوجية، ولكن في أحيان أخرى قد يمثل عاملا إيجابيا للترابط بين الزوجين وهذا يعتمد على طبيعة الشخصية، ومدى قناعتها بأن الله سبحانه وتعالى  يبتلي من يحب، هذا فضلا عن شعورها بالمسؤولية تجاه طفلها ورعايته بنفسها وعدم تركه للخادمة على سبيل المثال وحكره في البيت مثلما يحدث مع كثير من الأسر. 

ما نصيحتك التربوية لأي أم؟

أنصح أي أم بالتصدي للآثار السلبية لوسائل التواصل المنتشرة اليوم والتي تؤدي إلى ظهور أعراض مشابهة للتوحد على الأطفال، منها العزلة، والتوحد مع مضامين هذه الوسائل وغيرها، وضرورة التركيز علي نمط شخصية أطفالها والتعامل معهم من هذا المنطلق.

ما أهمية التعرف على نمط الشخصية؟

أنا مدربة في التنمية البشرية، وارتكز على مجال أنماط الشخصية، وأقوم بإعداد ورش عمل في هذا المجال داخل وخارج البحرين، ولدي قناعة بأن اكتشاف نمط الشخصية يجنب الفرد الوقوع في مشاكل كثيرة، كما يمكنه من مواجهتها وحل العديد منها، ولذلك على كل شخص أن يتعرف على نمط شخصيته، حتى يحقق النجاح في العمل والحياة، وقد كنت أتمنى لو أنني تمكنت بشكل شخصي من ذلك منذ وقت طويل تفاديا لكثير من الإحباطات والقرارات التي غيرت مجرى حياتي.

أحدث الإنجازات؟

قريبا سيتم إشهار اتحاد الأكاديميين والعلماء العرب وأنا أحد أعضائه، وهو يهتم بالمجال العلمي، وبالجامعات بالدرجة الأولى وهي خطوة أراها ستضيف لمسيرتي الكثير. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news