العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٨ - الأربعاء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ صفر ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

العلاقات الروسية-الإيرانية.. تقارب الضرورة أم شراكة استراتيجية؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الثلاثاء ٣٠ أبريل ٢٠١٩ - 01:15

كثيرة هي النتائج التي ترتبها الأزمات والتي تتجاوز أطرافها على المستوى المحلي ومن بين تلك النتائج دخول أطراف إقليمية ودولية ضمن دائرة التفاعلات في تلك الأزمات، إلا أن الأزمة السورية لم تكن كذلك وحسب بل إنها أضحت مرتبطة بشكل وثيق بمصالح تلك الأطراف الإقليمية والدولية بما يعني أنها مرتهنة بدوائر ثلاث متداخلة محلية وإقليمية ودولية، وبعيدًا عن تحديد اللاعبين في تلك الأزمة - وهم كثر- ولا يتسع المجال للحديث عنهم ضمن هذا المقال تبرز العلاقات الروسية –الإيرانية والتي أضحت عنوانًا يوميا لوسائل الإعلام سواء أكانت تلك العلاقات تشهد توافقات أم تباينات حول الملف السوري وتأثير ذلك على مسار العلاقات بين الجانبين عمومًا، الأمر الذي يثير تساؤلاً مفاده هل أدت الأزمة السورية إلى حدوث ما يسمى «تقارب الضرورة» بين الدولتين أم أنها كانت مقدمة لشراكة استراتيجية بعيدة المدى؟ ولا تخلو الإجابة على ذلك التساؤل من تعقيد بقدر تعقيد الوضع الإقليمي عمومًا والأزمة السورية على نحو خاص، وبرأيي ولأجل وضع تلك العلاقات ضمن نطاقها الصحيح فإنه يجب ألا نغفل مضامين تلك العلاقات تاريخا وحاضرًا، فتاريخيا وعبر حقب زمنية مختلفة سواء خلال الفترة بين القرنين السابع والتاسع عشر، مرورًا بأحداث الحرب العالمية الثانية ووصولاً إلى حقبة الحرب الباردة وما تلاها من تطورات فإن غياب الثقة والتنافس كان سمة أساسية لتلك العلاقات ومن ثم فإنه حتى لو أملت ظروف الحاضر تقاربًا ملحوظًا فإنه سيظل يوصف «بتقارب الضرورة»، صحيح أنه يتضمن مؤشرات مهمة تستوجب التوقف عندها سواء فيما يتعلق بالتنسيق الكامل داخل سوريا، فضلاً عن التعاون الاقتصادي الكثيف وهو ما عكسته مضامين ومسارات ذلك التعاون، بالإضافة إلى تزويد روسيا لإيران بصفقة صواريخ إس 300 بعد تردد روسي دام سنوات، إلا أنه يمكن النظر إلى تلك العلاقات من منظور آخر أكثر شمولاً فروسيا وجدت في تقاربها مع إيران فرصة سانحة لإعادة الوجود في مناطق النفوذ الروسي إبان حقبة الاتحاد السوفيتي والتي توجد فيها إيران بالفعل، أما إيران فقد وجدت في الدعم الروسي فرصة لتعزيز هيمنتها الإقليمية، وربما كانت البيئة الإقليمية قد أتاحت ذلك التقارب إلا أن ذلك لا يعني أنه بصدد التحول إلى ما يمكن أن يطلق عليه شراكة أو تحالف، بمعنى آخر فإن تلك العلاقات ربما تكون قد بلغت حدها الأقصى ولن تتخذ مسارات أخرى أو أشكالا أخرى أكثر تطورًا في المستقبل لأسباب ثلاثة الأول: أن العلاقات التي تنشأ نتيجة الأزمات تظل مرتهنة بها وليس بالضرورة أن ينتج عنها شراكات استراتيجية في ظل وجود خلافات غير معلنة حتى داخل المسألة السورية ذاتها، والثاني: أنه إذا كان هدف معارضة السياسات الأمريكية أحد أسس التقارب بين الجانبين فإن ذلك لا يعني أن روسيا لديها استعداد للمضي قدمًا في ذلك الأمر إلى أبعد مدى إذ يظل للخلاف الروسي-الأمريكي سقف أعلى ويقدم لنا التاريخ حججا دامغة على تلك الرؤية من خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 والتي تؤكد أن الصراع بين الجانبين يوصف بأنه صراع منضبط، والثالث: تطور العلاقات الروسية مع العديد من دول المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية وخاصة دول الشمال الإفريقي وبعض دول الخليج بشكل ملحوظ ومن ثم فإن لروسيا مصلحة أكيدة في تحقيق نوع من التوازن بين علاقاتها مع إيران التي لا تزال هي التهديد الرئيسي لدول المنطقة عمومًا ودول الخليج على نحو خاص وبين علاقاتها مع الدول العربية حيث تسعى روسيا لتأسيس شراكة جديدة مع تلك الدول ليس أقلها الاتفاق بين مصر وروسيا على عقد أول قمة روسية إفريقية في أكتوبر 2019 بمدينة سوتشي إذ تسعى روسيا لاستثمار رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي ضمن تعزيز علاقاتها مع دول الشمال الإفريقي.

 ومع أهمية العلاقات الروسية-الإيرانية ضمن الأزمة السورية والشرق الأوسط عمومًا فإن لتلك العلاقات إطارا آخر أوسع نطاقًا يجب عدم التغاضي عنه، فالدولتان لديهما عضوية في منظمة شنغهاي والتي تضم عددًا من الدول التي تناوئ السياسة الأمريكية إلى الحد الذي يطلق عليه «الناتو الآسيوي» صحيح أن إيران لا تزال بصفة مراقب ولكن هناك دعما روسيا نحو منحها عضوية كاملة، بالإضافة إلى أن الدولتين من الدول المطلة على البحر الأسود ولديهما مصالح مشتركة في تلك المنطقة.

ومع التسليم بما سبق فإن تلك العلاقات لا تدور في فراغ بل في سياق إقليمي وآخر دولي سمته التحول السريع والتشابك، ربما يتضمن فرصًا لتطوير تلك العلاقات ولكن أيضًا به قيود وخاصة إذا ما نظرنا إلى وجود لاعبين آخرين مثل الناتو والاتحاد الأوروبي وبريطانيا بعد البريكست والصين والهند، فضلا عن الالتزام الأمريكي طويل المدى بأمن الخليج العربي وكذلك الترتيبات الإقليمية الأوسع نطاقًا والتي يعبر عنها مقترح الولايات المتحدة بتأسيس «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي»، وتعزيز الشراكة الأمريكية مع العراق بما يعنيه ذلك من أن العلاقات الروسية-الإيرانية تواجه تحديات سواء حاليا أو على المدى البعيد.

وأتصور أن استئناف الحوار الاستراتيجي الخليجي - الروسي يعد أمرًا مهما والذي لم يعد مرتبطًا بمضامين تقليدية ومنها مبيعات السلاح والنفط بل جوانب أخرى من الأمن تحتاج إليها دول الخليج وهي مكافحة الإرهاب ونقل التكنولوجيا المتطورة لدول الخليج، بالإضافة إلى فتح آفاق جديدة للصادرات الخليجية لروسيا في ظل تنفيذ دول الخليج رؤى اقتصادية تستهدف الاستغناء عن النفط كمصدر أساسي للدخل القومي، فضلاً عن أهمية الدعم الروسي لقضايا الخليج والأمن الإقليمي في المنظمات الدولية. 

 ولا يعني ما سبق أن دول الخليج بصدد استبدال شراكات بأخرى ولكن التعامل مع معطيات الوضع الراهن الذي يفرض تنويع الشراكات وتحقيق التوازن فيما بينها بما يحقق الفائدة القصوى منها من ناحية والحد من محاولات إيران استثمار تلك التحولات من ناحية ثانية في محاولة لاستغلال ثغرات ضمن تفاعلات الأمن الإقليمي مع نظيره العالمي.

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية بمركز

 البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news