العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١١ - الجمعة ١٥ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

في الذكرى الـ70 لتأسيسه.. مستقبل غامض لحلف «الناتو»

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ٢٦ أبريل ٢٠١٩ - 01:15

صادف يوم 4 أبريل 2019 الذكرى السبعين لتأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي نشأ في السنوات الأولى من الحرب الباردة في محاولة منع توسع الاتحاد السوفيتي في القارة الأوروبية. واليوم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك دول الاتحاد السوفيتي في عام 1990 تخطى الحلف مهمته الجيوسياسية الأصلية، من خلال دعم الاستقرار في أكثر مناطق العالم اضطرابا؛ من شمال إفريقيا إلى البلقان، وصولاً إلى خليج عدن إلى أفغانستان؛ ليُشكل دعامة مهمة للبنية الأمنية العالمية. ومع ذلك، تحيط بالحلف المخاوف من انهياره وتفككه في ظل تهديدات وتحديات واجهته في السنوات الأخيرة.

 ويُعد حلف «الناتو» الذي تأسس عام 1949، طبقًا لمعاهدة شمال الأطلسي، ويضم حاليا 28 دولة أبرزها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وتركيا، وألمانيا وإيطاليا.

ووفقا لعدد من المحللين، فإن من التهديدات التي تواجه الحلف التوتر في العلاقات مع تركيا التي بدأت تعمل على نحو مُستقل عن أقرانها في الحلف؛ رغم أنها عضو قديم وملتزم على نحو تقليدي. يقول «أوزغور أونلوهيسارسيكلي» مدير «صندوق مارشال الألماني» في أنقرة، «هناك جهد واضح في تركيا لتقليل اعتمادها على الناتو والولايات المتحدة، رغم وفائها بالتزاماتها المتعلقة بالحلف». 

ومن أسباب هذه السياسة، الخلاف المُتنامي مع الولايات المتحدة حول الوضع في سوريا، وقيام تركيا باحتجاز مواطنين أمريكيين، وفرض واشنطن عقوبات اقتصادية على وزراء أتراك. ويتزايد التوتر بسبب تقارب تركيا نحو روسيا وشرائها نظام صواريخ S-400 روسية الصنع؛ القادرة على تقويض قوة الحلف. وهو ما قد يؤدي إلى إبعاد تركيا عن الحلف. وقد أكدت صحيفة «التايمز» البريطانية أن «العنصر الأكثر إلحاحًا في جدول أعمال الناتو حاليا هو إيقاف انجراف تركيا عن الناتو إلى أحضان موسكو».

أما العامل الثاني، فهو الاحتمال المتزايد بانسحاب الولايات المتحدة من الحلف. ويوضح «جيمس ستافريديس»، في صحيفة «بوليتيكو»، الأمريكية، أن من أكبر التحديات التي تواجه الحلف على المدى الطويل تتمثل في تضاؤل رغبة واشنطن في توفير الضمانات الأمنية لأوروبا. وتنبع رؤية الرئيس الأمريكي من الاعتقاد أن واشنطن تُهدر مواردها في الدفاع عن أوروبا، وهو ما ظهر في اللغة التصادمية غير المألوفة في الحديث عن جدوى الناتو وعن الالتزامات المالية للدول الأعضاء فيه. وتشير صحيفة «ذي تايمز»، البريطانية، إلى أنه «منذ حملته الانتخابية عام 2016. واصل ترامب التشكيك في العقيدة الأساسية التي يقوم عليها الحلف، والتي تتمثل في المساعدة المتبادلة، الأمر الذي أثار المخاوف من انسحاب واشنطن منه، كما تبنى موقفا صادما للحلفاء الأوروبيين، واصفا الحلف أنه «عفا عليه الزمن ولم تعد له حاجة». 

وتحتل الولايات المتحدة المركز الأول في نسبة الإنفاق العسكري بين دول الحلف، ويبلغ إسهامها 3.5% من قيمة الناتج القومي الإجمالي. ووفقًا للأرقام التي نشرها «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» بلندن، أنفقت أمريكا حوالي 602.8 مليار دولار على الدفاع عام 2017؛ أي ما يُعادل 70.1% من الإنفاق العسكري الذي تُنفقه جميع الدول الأعضاء في الناتو، واحتلت بريطانيا المركز الثاني بـ5.9% فقط، مضيفا أنه «لولا إسهامات واشنطن، لما تمّكن الأعضاء الباقون من ردع التقدم الروسي».

وكما يقول التقرير الصادر عن «مركز بلفر للعلوم والشؤون الدوليّة»، فإن «قضية تقاسم الأعباء أصبحت ذات تأثير بالغ بسبب الظروف الجيوسياسية التي تتفاقم في أوروبا». ويشير «تشارلز كوبشان»، من «مجلس العلاقات الخارجية» إلى أن «الدول الأعضاء اتخذت خطوات لتعزيز آلية الردع المُستخدمة ضد تحديات الكرملين العسكرية منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2014». وتجلى الهدف الأساسي من هذه الإصلاحات في تعهد جميع الأعضاء في قمة ويلز عام 2014 بإنفاق ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي على الدفاع لتعزيز القدرة العسكرية للحلف. وعلى الرغم من ذلك، فإن 7 دول فقط من أصل 29 دولة نفذت هدف الـ2%، من بينها؛ الولايات المتحدة بنسبة (3.4%)، واليونان (2.2%)، والمملكة المتحدة (2.2%)، وكل من إستونيا وبولندا (2.1%)، وكذلك لاتفيا وليتوانيا (2.0%) كل منهما. وإلى أن تبدأ الدول الأخرى تحقيق الهدف المأمول للإنفاق على الدفاع، سيظل الناتو خاضعًا للولايات المتحدة، فيما قد يؤدي غياب الأخيرة عن حلف الناتو إلى انهياره وتفككه.

ووفقا لعديد من المراقبين، فإن ما يهدد مستقبل الحلف أيضا، هو ما تسعى روسيا لتكوينه من قوة عسكرية روسية تركية إيرانية وصينية مشتركة، فضلا عن الدعوات الأوروبية، وتحديدا الفرنسية والألمانية إلى إنشاء «جيش أوروبي موحد»، وربما تلك الدعوات إن نجحت فقد تقوض مستقبل الحلف. 

وعلى الرغم من تعدد هذه المخاطر، كما وصف «نيكولاس بيرنز» في صحيفة «الواشنطن بوست»، فإن «الناتو لا يزال هو أقوى تحالف عسكري في العالم». ويشير الكثيرون إلى أن حقيقة ردع الناتو لموسكو عن توجيه أي هجوم عسكري ضد أي من أعضائه على مدى 70 عامًا، يقف دليلا على قوته واستقراره. 

وعلى الرغم من عدم تحقق نسب الإنفاق، إلا أن نمو الإنفاق الدفاعي للمنظمة زاد بمقدار 87 مليار دولار بين عامي 2014 و2018. وفي عام 2018 وحده، أنفق الأعضاء ما يقرب من تريليون دولار، بالمقارنة بانخفاض نفقات الدفاع الروسية، والتي تقدر بنحو 63 مليار دولار. وفي السنوات الأخيرة، سعى الناتو إلى توسيع وجوده العسكري في أوروبا لردع روسيا. وشمل ذلك نشر قوات ضخمة، تتألف من مجموعات قتال مدربة بشكل خاص في بولندا ورومانيا ودول البلطيق وإجراء تدريبات بحرية واسعة النطاق في البحر الأسود والقطب الشمالي والبحر الأبيض المتوسط. 

ومن الواضح أن الناتو لا يزال بعيدا عن التأثر بالتهديدات الخارجية جراء آلية الردع الكبيرة لديه. وبعيدًا عن روسيا، لا تزال هذه الآلية تؤدي دورها بالنسبة إلى المناطق الأخرى التي استثمر فيها الناتو موارده وخبراته والتي عززت الأمن في كل من دول أوروبا وأمريكا الشمالية. وفي هذا الصدد، تقول «كارين دونفريد»، رئيسة «صندوق مارشال الألماني»، إن «سر بقاء الناتو هو قدرته على ملاءمة التغيرات الاستراتيجية التي تطرأ على المشهد العالمي ومواجهة التحديات المستجدة». ومنذ نهاية الحرب الباردة، أصبح الناتو رائدا عالميا في مكافحة الإرهاب والقرصنة وغيرها من العمليات الأمنية التي تعزز الأمن العام لكامل أعضائه. وعليه تؤكد «راشيل إلوهوس»، من «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، أن «الإغراءات التي يقدمها الناتو، ستكون سبب عدم انسحاب تركيا والولايات المتحدة».

وفي الوقت الحالي، يبدو أن الناتو سيبقى مستقرًا؛ نظرًا إلى نجاحه كرادع عسكري قوي. ومع استمرار بقائه، يتوقع الكثيرون حدوث تغيرات في هيكله في المستقبل من أجل دعم قدرته في ظل تغير الظروف الجيوسياسية. ومن المحتمل أن يسعى إلى مزيد من التوسع. وقد شكل ضم أعضاء جدد، من أوروبا الشرقية ومنطقة البلقان في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا على التوالي في التسعينيات؛ حجر الزاوية في زيادة قدراته العسكرية، وتوسيع قوته الناعمة، من خلال تقليص مجال النفوذ الروسي. 

ومع ذلك، يتفق معظم المحللين على أنه من غير المرجح أن يتم قبول أعضاء إضافيين، مثل (جورجيا وأوكرانيا)، في المستقبل المنظور. ويوضح «الكسندر فيرشبو»، في صحيفة «بوليتيكو»، أنه «من حيث الشكل الذي سيبدو عليه الناتو، فإنه من المحتمل ألا يتوسع أكثر مما هو عليه، مع استثناء انتقال فنلندا والسويد من الشراكة إلى العضوية». وفي هذا الصدد يقول «تشارلز كوبشان»، من «مجلس العلاقات الخارجية»، بواشنطن، إن «التردد نحو توسيع نطاق عضوية الناتو من خلال ضم دول مثل السويد وفنلندا؛ ينبثق من مغبة إقدام روسيا على الرد بأعمال انتقامية»، بالإشارة إلى أنه منذ انتهاء الحرب الباردة، قبل الناتو عضوية 13 من الأعضاء الجدد من دول شرق ووسط القارة الأوروبية، وهي الخطوة التي وترت علاقاتهم مع موسكو»، حيث تعتبر الأخيرة العمليات التوسعية للناتو، محاولات لتضييق الخناق عليها.

ولكن رغم المخاوف الأوروبية من روسيا، فإن عددا من المحللين يرون أنها لن تمثل أولوية بالنسبة إلى الناتو مستقبلاً. وفي هذا السياق، يقول «جيمس مارسون» من صحيفة «وول ستريت جورنال»، «إن التهديد الصيني بات جليا، ولا سيما في ظل السياسة التي تنتهجها بكين في القطب الشمالي الغني بالموارد الطبيعية، فضلا عن أنها أطلقت على نفسها وصفًا أنها «دولة تقع بالقرب من القطب الشمالي، وهو ما قد يمثل تحديًا أيضًا أمام توسيع الناتو لنطاق نفوذه». فيما تظل هناك الكثير من المخاوف من الترسانة العسكرية الصينية في بحر الصين الجنوبي، بالإضافة إلى مبادرتها التي تحمل اسم «الحزام والطريق»، التي ترمي إلى تمكينها من وضع موطئ قدم لها داخل الدول العالمية الكبرى من خلال تطوير مشروعات البنى التحتية بها، خاصة أنه تم توسيع نطاقها مؤخرًا لتشمل إيطاليا وهى عضو أصيل داخل الناتو». 

ولعل التهديد الأكثر خطورة لبكين يكمن في عمليات التجسس السيبرانية والهجمات الإلكترونية التخريبية. وفي الآونة الأخيرة، ذاع صيتها على خلفية استخدامها الفضاء السيبراني لجمع معلومات استخباراتية ومهاجمة خصومها من خلال تقنيات وبرامح إلكترونية. ويوضح «إريك براتبرج»، من «معهد كارنيجي للسلام الدولي»، أن هناك تخوفا لدى الدول الأوروبية من أن مشروعات تطوير البنى التحتية التي تقوم بها الصين على الصعيد الدولي، ستجعلها أكثر عرضة وخضوعًا لعمليات التجسس الصينية والهجمات السيبرانية الإلكترونية».

وكرد فعل حيال هذا التهديد المتنامي، يعمل الناتو على تطوير مستوى ونطاق دفاعاته السيبرانية، وفي هذا الصدد يقول «جيمس ستافريديس» في مجلة «بوليتكيو»، إن الناتو بات من أولوياته تحديث ترسانته الإلكترونية والبحرية وقواته الخاصة المعنية بهذين المجالين تحديدًا، ومن ثم سيقل التركيز على تطوير قدرات القوات البرية ومعداتها العسكرية ما لم تفرض التحديات الروسية الحادة واقعًا غير ذلك».

على العموم، رغم التحديات التي يواجهها حلف الناتو في الوقت الراهن، والتي لا تنذر بحرب باردة جديدة فحسب، بل اكتمال حزام الأزمات حول مناطق النفوذ الاستراتيجي للحلف، فإن ذلك من شأنه ليس فقط استمرار الحلف، بل السعي للتكامل ودعم الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى استمرار التحديات الأمنية التي تواجه المنظمتين. ومن ثم فإن النتيجة الأكثر أهمية هي توقع الالتزام الثابت بحلف الناتو القوي، والاستعداد للإسهام في استقراره، والتكيّف مع التحديات المستقبلية. 

فيما يظل خطاب ترامب العدائي تجاه شركائه التقليديين؛ لا يعني نيته الانسحاب من الحلف، أو الدعوة إلى إلغائه، بل ممارسة المزيد من الضغوط من أجل الالتزام بالنسبة المقررة للنفقات الدفاعية ضمن توجهاته «أمريكا أولا».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news