العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٥ - الخميس ٢٣ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

أوروبا بين القوتين الأمريكية والصينية

الأربعاء ٢٤ أبريل ٢٠١٩ - 11:06

بقلم: إريك زمور

كان ذلك قبل قرن من الزمن، كانت أوروبا قد خرجت لتوها منهكة ومدمرة من الحرب العالمية الأولى (1914-1918). عندها كثرت الكتابات والمؤلفات والتحاليل التي تحدث أصحابها عن بداية عصر الهيمنة الأمريكية على أوروبا. لقد أجمعت كل تلك الكتابات على أن «القرن العشرين سيكون أمريكيا».

كتب الشاعر والفيلسوف الفرنسي بول فاليري بلغة تنم عن كثير من السخرية: «لقد ظلت أوروبا تحلم بأن تحكمها الولايات المتحدة الأمريكية». أما بول موران فقد ألف بدوره كتابا بعنوان «أبطال العالم» تحدث فيه عن انهيار أوروبا القديمة وبداية عهد الإمبراطورية الأمريكية. أما روبرت آرون فقد كتب «السرطان الأمريكي». 

لقد ظل المفكرون الفرنسيون يتحدثون بكثير من الحماسة عن «الحلم الأمريكي»، وخاصة في الفترة بين حرب الاستقلال حتى نهاية القرن الثامن عشر. أما اليوم فإن الجيل الجديد من الكتاب الفرنسيين ما بين أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين فقد حولوا «الحلم الأمريكي» إلى كابوس حقيقي. 

بعد مرور قرن من الزمن أخذت الصين مكان الولايات المتحدة الأمريكية. يعتبر هذا الخبر تطورا جيدا وسلبيا في نفس الوقت بالنسبة إلى قادة البلدان الأوروبية ومنها فرنسا. يتمثل الخبر الجيد في أن هذا القرن سيكون صينيا بامتياز. أما الخبر السيئ فإنه يتمثل في نهاية عصر التمجيد والرضا عن النفس. 

يمكن اليوم الحديث ببعض التحفظ عن «الحلم الصيني» رغم أن هذا «الحلم الصيني» لن يصل إلى الهالة الكبيرة التي ظلت تحيط بما يسمى «الحلم الأمريكي» والذي تجلى حتى في الأدب والشعر والسينما الأمريكية خلال العقود القليلة الماضية. هناك من يتحدث اليوم عن الصين باعتبارها «بلد العولمة السعيدة». أصبح رجال السياسة الفرنسيون والأوروبيون على حد السواء يحجون إلى العاصمة الصينية بكين مثلما كان أسلافهم فيما مضى يحجون إلى نيويورك في سنة 1945 وفي سنة 1900 إلى برلين وفي عام 1934 وفي سنة860 إلى لندن. 

على غرار التاريخ الأوروبي، يعج التاريخ الصيني بالكثير من الخوف والرعب وسفك الدماء والحروب والاحتلال. لم يتسن لأقلية السكان التبت وأوغر والمغول التحرر من السيطرة الصينية حيث إن سلطات بكين قد أغرقتهم عبر تكثيف هجرة الصينيين إلى مناطقهم من أجل تغيير الواقع الديمغرافي في تلك الأماكن.

على عكس كتابات المفكرين الليبراليين فإن مشروع الزعيم الصيني دينج هسياو بنج لم يكن أبدا ليبراليا. فقد اعتبر أن سياسية الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارج تمثل وسيلة راديكالية من أجل إنقاذ الثورة الشيوعية. فبعد تجربة الشيلي في فترة السبعينيات من القرن العشرين، أرادت الصين أن تبين أن الرأسمالية غير مرتبطة ارتباطا عضويا بالديمقراطية على النمط الغربي وأن نظام بكين يميل إلى الأساليب الديكتاتورية، سواء منها العسكرية أو الشيوعية.

لا ننسى أيضا أن الصين ظلت تحمل بداخلها رغبة دفينة في الثأر التاريخي من الغرب الذي أذلها واستباح أرضها ومزق كيانها إلى عدة مناطق نفوذ استعمارية في القرن التاسع عشر. أصبحت الصين مدفوعة بنزعات قومية، بل و«عنصرية» على غرار اليابان التي عملت في مرحلة من تاريخها على الترويج عن تفوق الجنس الأصفر على الرجل الأبيض، سواء الروس (سنة 1905، أو الفرنسيون (الهند الصينية) أو الأمريكيون (بيرل هاربر). تعتبر الصين أنها ستنجح في نهاية المطاف فيما أخفقت في تحقيقه اليابان. 

سعيا لتحقيق هذا الهدف تعتبر كل السبل جيدة كما تعتبر كل التناقضات جيدة ومقبولة. تريد الصين اليوم أن تعامل كقوة عظمى وأن تلعب دور محامي الضعفاء، تبني اقتصاد السوق المعترف به في دولة في طريق النمو. لا تزال الصين تفتح محطات الطاقة باستخدام الفحم الحجري لكنها في المقابل تنتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأنه أعلن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية باريس للمناخ.

يلقي الرئيس الصيني شي جين بينغ الخطب السياسية والاقتصادية في منتدى دافوس في حضور كبار قادة العالم وصناع القرارات السياسية والاقتصادية ويتحدث بإسهاب عن مزايا التبادل الحر غير أنه يمنع شركتي جوجل وفيسبوك، الأمر الذي مكن شركة علي بابا الصينية من التحول إلى واحدة من الشركات العملاقة على شبكة الإنترنت. 

صحيح أن الصين تنتهج سياسة اقتصادية حمائية، غير أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت بدورها قد انتهجت مثل هذه السياسة الحمائية وهو ما مكنها من التحول إلى القوة الأولى في العالم مع نهاية القرن التاسع وبداية القرن العشرين. أطلقت الصين مشروع طريق الحرير وهو ما يذكرنا بمشروع مارشال الذي أطلقته الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وذلك من أجل إعادة بناء أوروبا التي خرجت منهارة اقتصاديا ومدمرة. 

استفادت الولايات المتحدة الأمريكية كثيرا من مشروع مارشال مثلما تريد الصين الاستفادة وفتح الأسواق وإغراقها بمنتجاتها من خلال مشروع طريق الحرير. على الأقل كانت الولايات المتحدة الأمريكية تقدم الهبات، بدل القروض.

لعل الأكاديمي والمحلل السياسي الفرنسي رينيه جيرار هو أكثر من تحدث عن الوضع الراهن بكثير من العمق والوضوح. فهو يعتبر أن الصين قد دخلت في منافسة مع الولايات المتحدة الأمريكية وهي تحب الولايات المتحدة الأمريكية وتكرهها في نفس الوقت. لقد عشنا نحن الفرنسيين مثل هذه المنافسة مع إنجلترا في القرن الثامن عشر ثم ضد ألمانيا المجاورة في القرن التاسع وقد تسببت تلك المنافسة في كلتا الحالتين في نشوب الحرب.

في هذا الصراع ما بين العمالقة تبدو الدول الأوروبية والآسيوية معها مثل الذباب الذي يحاول ألا يسقط من على ظهر الفيلة وأن تتعايش مع الدول العظمى. تعتبر أوروبا بمثابة الشريك الثالث في هذه المواجهة المتنامية ما بين العملاقين الأمريكي والصيني. قال الزعيم التاريخي الألماني بسمارك: «إذا كانت اللعبة تدور بين قوتين عظميين فمن الأفضل الوقوف في صف إحدى القوتين».

حققت الصين إنجازات كبيرة مكنتها من النمو وتقليص رقع الفقر المدقع وتقديم المساعدات لتنمية البلدان الأخرى وهي أمور يجب أن نثمنها. في الوقت نفسه يجب ألا نغفل عن القيود التي تضعها سلطات بكين على الإنترنت والرقابة والسياسات التي تنتهك حقوق الأقليات الدينية. 

في الحقيقة، فإن بعض هذه النخب الأمريكية والأوروبية قد أسهمت بمؤلفاتها ومواقفها وكتاباتها في صنع هذه القوة الصينية، التي تخيفهم اليوم، والترويج لها على حساب شعوبها. كان الزعيم الصيني التاريخي دينج شياو بينج معجب بمقولة الزعيم السوفيتي لينين: «إن الرأسماليين يبيعون لنا الحبل الذي سنشنقهم به».

دخلت الصين منذ تلك الفترة في مرحلة من الرخاء الاقتصادي مع ازدياد اندماجها في الاقتصاد الأمريكي وهو ما جعل من البلدين أيضا محركين أساسيين من محركات النمو الاقتصادي العالمي. فقد نشطت المبادلات العلمية بين البلدين كما أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية منذ تلك الفترة الوجهة الأولى للأكاديميين والسياح الصينيين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news