العدد : ١٥٠٩١ - الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩١ - الخميس ١٨ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٥ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

مقالات

هل تستعد منطقتنا للتغير المناخي؟

بقلم: خلف أحمد الحبتور

الجمعة ١٩ أبريل ٢٠١٩ - 01:15

لست خبيرا متخصصا في الشؤون المناخية. ولم أدرس قط التغييرات التي طرأت على الأنماط المناخية، إنما لا حاجة إلى أن يكون الإنسان خبيرا ضليعاً ليدرك أن الأعوام الأخيرة شهدت تصاعدا هائلا في وتيرة التقلبات المناخية، من خلال درجات الحرارة الشديدة التدنّي أو الارتفاع، والأعاصير، والفيضانات، والحرائق الهائلة، وموجات الجفاف، وارتفاع منسوب مياه البحار. وقد توصّل الباحثون إلى أن درجة حرارة المحيطات ترتفع بوتيرة أسرع بنسبة 40 في المائة مما كان يُعتقَد سابقاً، وفي هذا الإطار ترتفع سخونة المياه في الخليج العربي.

نقل مقالٌ نشرته صحيفة «ذي ناشونال» عن خبير في المحيطات ومُحاضِر في جامعة إمبريال كولدج في لندن، تحذيره من أن «التداعيات في الخليج قد تكون دراماتيكية إلى حد كبير في حال حدوث ارتفاع في درجة حرارة المياه» لأنه «شبه مغلَق»، و«لن يُفيد من التيارات الباردة التي تنطلق من المحيط الهندي».

ويُبدي الشباب في مختلف أنحاء العالم قلقهم وغضبهم لأن الأقوال تغلب على الأفعال، ولا سيما أن مستقبلهم على المحك. لقد اعتمد جيلي والأجيال اللاحقة سلوكا عنوانه «عِش اللحظة وادفع الثمن لاحقا»، أو فضّلوا البقاء في حالة نكران. لكن النكران لم يعد خيارا مطروحا. أقله بالنسبة إلي. يتملّكني قلقٌ بالغ على أحفادي.

لن أدخل في السجال حول ما إذا كان التغير المناخي من صنع الإنسان أو نتيجةً من نتائج التطور الطبيعي للأمور، لكن بغض النظر عن الأسباب، إنه واقعٌ مفروض علينا. السؤال المطروح هو التالي، ما الخطوات التي يتخذها العالم العربي، ولا سيما الدول الخليجية في هذا الصدد؟

هل كلّفت وزارات البيئة علماء وباحثين لدراسة الأسباب والتوصل إلى حلول؟ وفي حال فعلت ذلك، هل يلقى هؤلاء آذانا صاغية؟ هل يتحرّك قادتنا للتخفيف من وقع المحتوم وتأثيراته؟ لا تحظى هذه المشكلة المصلتة فوق رؤوسنا بالاهتمام الكافي في مجلس التعاون الخليجي. بالكاد يتكبّد أحدٌ ممّن ألتقيهم عناء التطرق إليها.

غير أن تقريرا نُشِر على البوابة الإلكترونية للحكومة الإماراتية يُشير إلى أن هناك وعياً لأهمية المشكلة. فهو يُقرّ بأن الإمارات «تُصنَّف بين فئات البلدان ذات المستوى الأعلى من الهشاشة إزاء التأثيرات المحتملة للتغير المناخي»، معللاً ذلك بـ«ارتفاع درجات الحرارة، وتراجُع كميات هطول الأمطار، وموجات الجفاف، وارتفاع منسوب مياه البحار، وهبوب مزيد من العواصف». أضاف التقرير: «تلتزم الإمارات بالجهود الآيلة إلى مكافحة التغير المناخي انطلاقا من إدراكها للمخاطر المترتبة عن التقاعس»، وقد عمدت إلى «التكليف بوضع دراسات دولية لتقييم مستويات ثاني أكسيد الكربون الآخذة في الارتفاع في الغلاف الجوي وما ينجم عن ذلك من تبدُّل في الأنماط المناخية».

تشمل الإجراءات المتّخذة وفقاً لوزارة الخارجية الإماراتية، استخدام مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية والنووية، واعتماد معايير جديدة في الحفاظ على الطاقة، وتعزيز نظم المواصلات العامة، وتصميم المباني عبر استخدام تقنيات تسهم في التقليل من استهلاك الطاقة. ومن القطاعات التي يجب إيلاؤها أهمية خاصة في هذا الإطار الأمن الغذائي. ألا يجدر بنا الاستثمار في مصادر جديدة للغذاء والمياه النظيفة؟

عام 2009، نشر المنتدى العربي للبيئة والتنمية تقريرا مثيرا للقلق بعنوان: «تأثير التغير المناخي على البلدان العربية»، لكنه مرّ مرور الكرام ولم يحظَ بالاهتمام اللازم. فقد حذّر التقرير من أن ندرة المياه في العالم العربي «قد تبلغ مستويات حادة بحلول سنة 2025، ويجب البحث عن مصادر مائية جديدة مثل محطات تحلية المياه».

ونبّه التقرير أيضاً إلى الارتفاع الخطير في منسوب مياه البحار في مصر وتونس والمغرب والجزائر والكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة. كما سلّط الضوء على التأثيرات السلبية على صحة الإنسان بسبب الأوبئة، وعلى الإنتاج الغذائي والتنوّع الأحيائي البيولوجي والسياحة.

وعام 2018، انتقد التقرير الصادر عن المنتدى بشدّة عدم جهوزية البلدان العربية لمواجهة التحديات الناجمة عن التغير المناخي. فقد ورد في التقرير: «يتعذّر الوقوع على جهود منسّقة لجمع البيانات ووضع الأبحاث عن تأثيرات التغير المناخي في مجالات عدة مثل الصحة والبنى التحتية والسياحة، في حين يبدو أن التأثير الاقتصادي هو موضع تجاهل تام». ويناشد واضعو التقرير صنّاع السياسات المبادرة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لدرء هذا التهديد.

من البلدان الأكثر تضرراً مصر التي تواجه ضربةً مزدوجة من خلال انحسار جريان النيل بسبب سد النهضة المثير للجدل الذي تعمل أثيوبيا على بنائه، والذي من شأنه أن يؤثّر في الإنتاج الزراعي، وخطر غمر المياه لمساحات شاسعة من الأراضي في المناطق الساحلية في الإسكندرية. جزر المالديف هي أيضاً من المناطق الأكثر تضرراً. فوفقاً لتوقعات البنك الدولي، قد تصبح المالديف بأكملها مغمورة بالمياه بحلول سنة 2100.

أما المسألة التي لا تحظى بالقسط الكافي من الاهتمام والنقاش فهي أن التغير المناخي قد يقود إلى اندلاع نزاعات. فقد حذّرت الأجهزة الدفاعية والاستخبارية من أن التأثيرات قد تتسبب بنشوب نزاعات حادة جدا بحيث إنها قد تؤدّي إلى اقتلاع السكان وبالتالي زيادة موجات الهجرة.

تحذّر دراسة صادرة عن الأمم المتحدة من اندلاع حروب مائية في المناطق، حيث المياه العذبة نادرة وتتشاركها دولٌ متحاذية. سوف يؤدّي الارتفاع في درجات الحرارة إلى جانب التوسّع السكاني وتناقص الموارد الطبيعية إلى زيادة مخاطر نشوب النزاعات بنسبة تصل إلى 95 في المائة في غضون الأعوام الخمسين إلى المائة المقبلة.

ربما نسير غافلين نحو الكارثة كمَن يمشي في رقاده في هذه المنطقة من العالم، إنما يسود شعورٌ أكبر بإلحاحية المسألة وخطورتها في بلدان أخرى. الأسبوع الماضي، نزل آلاف الناشطين إلى شوارع لندن وجسورها في وقفة احتجاجية من تنظيم مجموعة Extinction Rebellion (الثورة على الانقراض) وقطعوا الطرقات حاملين لافتات كُتِب عليها: «ليس هناك كوكب ثانٍ نذهب إليه». ونُظِّمت تجمعات مماثلة في مدن أخرى.

عام 2018، تصدّرت السويدية غريتا ثونبرغ، ابنة الـ15 عاماً، العناوين عندما رفضت الذهاب إلى المدرسة وقررت بدلاً من ذلك توزيع منشورات خارج مقر البرلمان لتوعية المارّة. وقد ألهمت هذه الصغيرة الجريئة والملتزمة بالدفاع عن قضيتها، أكبر التظاهرات في فنلندا حول موضوع التغير المناخي، ووُجِّهت إليها دعوةٌ لاحقاً لإلقاء كلمة أمام المندوبين في المؤتمر الرابع والعشرين لأطراف اتفاقية المناخ الذي عقدته الأمم المتحدة.

يواظب العلماء منذ عقود على التحذير من مغبّة التأثير المدمِّر للاحترار العالمي والذي تزيد من حدّته انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وما يترتب على ذلك من تداعيات تطول البشر والحياة البرية، إنما غالبا ما اعتُبِرت تحذيراتهم بأنها مجرد تهويل الهدف منه بث الذعر.

لقد استيقظت الحكومات وتنبّهت أخيراً إلى التهديد المحدق بالكرة الأرضية، وتعهّدت عام 2015 بحصر الارتفاع في درجة حرارة الأرض بأقل من درجتَين مئويتين، عندما وقّع 174 بلدا والاتحاد الأوروبي اتفاق باريس بحماسة شديدة. غير أن الزخم تبدّد عندما عمدت الولايات المتحدة، وهي ثاني أكبر دولة ملوِّثة في العالم، إلى الانسحاب من الاتفاق. وعليه، يجب ألا يُسمَح لأمريكا بأن تأخذ زمام المبادرة في هذا المجال، ولا يجدر بنا استخدام انسحابها ذريعةً للتعامل بلامبالاة مع المسألة وإعلان استسلامنا.

المؤتمرات والنقاشات وتوقيع الاتفاقات أمورٌ جيدة ولا بأس بها، لكن إذا لم تُتَّخذ إجراءات لخفض انبعاثات الاحتباس الحراري والحد من آثار التغير المناخي على السكان، فسوف ندخل التاريخ في صورة الجيل الخائن لكوكبه وسكّان الأرض. ولن يسامحنا الله تعالى على ما اقترفت أيدينا!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news