العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٧ - الثلاثاء ٢٢ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ صفر ١٤٤١هـ

دراسات

بعد صدور تقرير مولر.. هل نجح ترامب؟!

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الثلاثاء ١٦ أبريل ٢٠١٩ - 10:20

بعد 22 شهرًا، أنهى «روبرت مولر»، المدعي الخاص المكلف بالتحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية عام 2016، تقريره، الذي برأ فيه الرئيس «دونالد ترامب» من التواطؤ مع موسكو، ما ساعد على تأكيد مشروعيته السياسية، وتقويض قوة الديمقراطيين، وهو ما علق عليه ترامب بقوله: «لا تواطؤ ولا عرقلة للعدالة وبراءة تامة وكاملة».

وخلص التقرير إلى أنه ليس هناك دليل على أى تآمر من قبل أعضاء حملة ترامب أو حتى تنسيقهم مع روسيا في أنشطتها للتدخل في الانتخابات الرئاسية، وإلى انتفاء الأدلة على شبهات عرقلة الرئيس الأمريكى، وفريقه سير التحقيقات. وكان مولر قد حقق لمدة عامين تقريبا في هذه الادعاءات. وشمل التحقيق علاقات الرئيس الأمريكى، مع روسيا، والتي تم نفيها من قبل الكرملين والبيت الأبيض. وخلال ذلك وجه عددا من الاتهامات ضد موظفين سابقين في حملة ترامب الانتخابية لإدلائهم بشهادات كاذبة، وارتكاب مخالفات مالية والعمل لصالح جماعات ضغط «لوبي».

وفي تعليقه، أكد «ديمتري بيسكوف»، المتحدث باسم الكرملين، صحة ما توصل إليه التقرير، مضيفا، أن «روسيا لا تتدخل في الشؤون الداخلية لدول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة». واعتبر السيناتور الروسي، «أليكسي بوشكوف»، أن «نتائج التحقيقات مخزية للولايات المتحدة ونخبتها السياسية، وتؤكد أن كل الاتهامات تم تلفيقها»، واصفا نتائج التقرير، بأنها كـ«الجبل الذي ولد فأرا». في حين رأى النائب الروسي، «ليونيد سلوتسكي»، هذه الخلاصات هي «نوع من إعادة اعتبار سياسية للرئيس الأمريكي».

ومع ذلك، ذهب كثير من المراقبين السياسيين إلى أن هناك حالة من الغموض والالتباس تكتنف تقرير «مولر»، في ضوء النظر إلى الاتهامات التي طالت ترامب بـ«عرقلة سير العدالة»، وإقالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية السابق، «جيمس كومي»، والتي يجب الطعن فيها، وفقًا لما قاله وزير العدل، «بيل بار»، والذي أكد أن «التحقيقات لم تحسم بشكل نهائي احتمال حصول أو عدم حصول عرقلة لسير العدالة من قبل ترامب». وعليه، يؤكد «ديفلين باريت» في صحيفة «واشنطن بوست»، أن «عرض المخاوف والاستنتاجات التي خلفها التحقيق سيؤدي إلى نشوب صراعات سياسية حول حكم الرئيس وسلطته وصلاحياته». 

ويمكن النظر إلى احتمالية خضوع ترامب لمزيد من التحقيقات حول علاقة حملته الانتخابية بروسيا إلى مصدرين. الأول: وجود كمية كبيرة من الوثائق التي لم يُكشف عنها والتي استُخدمت في التحقيق، بجانب الملاحظات التي أُبديت على المناقشات الداخلية، ومذكرات استجواب الشهود، وسجلات المحكمة وغيرها من أشكال الأدلة التي يُمكنها أن تُشكل تحديًا قانونيًا جديدًا ضد ترامب في المستقبل. أما الثاني: فهو الاعتراض على دور «بار» في إنشاء وإصدار التقرير؛ حيث مُنح المدعي العام -وهو مرشح ترامب وحليفه السياسي المعروف- صلاحية اختيار ما إذا كان سيتم مقاضاته لعرقلة سير العدالة استنادًا إلى الأدلة الموجودة في التقرير أم لا. وبالفعل يواجه «بار» تحقيقًا بسبب قراره بعدم المقاضاة نظرًا إلى مدى تأثر قراره بالحزبية، وخاصة أنه كان ناقدًا كبيرًا لمولر ومعارضًا للتحقيق نفسه قبل توليه ذلك المنصب. ووفقًا لصحيفة «الا يكونومست»، فإن هذه التحديات القانونية، من الممكن أن «تشكل أساسًا لمشكلات مستقبلية مهددة لترامب وشرعيته، خصوصًا في ظل وجود فضائح أخرى تواجه المقربين منه مثل قضايا الفساد». 

أما على الصعيد السياسى، فإن هناك شعورا، ولا سيما بين الديمقراطيين والمعارضة السياسية، بأن ترامب قد نجح في التهرب من العدالة استنادًا إلى عدم وجود أدلة؛ ما يشير إلى أنه سيتم بالفعل ظهور تحديات جديدة، قد تطيل حدة التوتر السياسي. يقول «كريس سيليزا»، من شبكة «سي إن إن»، إنه «من المحتمل أن تكون تهمة عرقلة سير عدالة التحقيقات في طليعة المعركة بين الكونجرس والبيت الأبيض على مدار العشرين شهرًا القادمة». وكما يقول «مايكل هيرش»، في مجلة «فورين بوليسي»، ربما يكون السؤال الحقيقي في انتخابات 2020 هو كيف سيكون رد فعل الديمقراطيين، الذين أصبحوا منقسمين فيما بينهم حيال ما ورد في تقرير «مولر».

وفي واقع الأمر، فإن الاتهامات التي شغلت الرأي العام الأمريكي لم تأت من فراغ، وإنما عززتها تصرفات «ترامب» التي تصب وبصورة مباشرة في مصلحة روسيا، وهو ما أيدته اتهامات المعارضة بتأكيدها على «تحقيقه لغايات الكرملين ومساعدته على تحقيق مآربه وأهدافه على الصعيد العالمي من خلال سياسته الخارجية وقرارته غير المدروسة في أغلب الأحيان». وتقود الاستراتيجيات المتبعة من قبل ترامب إلى تقويض الدور المركزي للولايات المتحدة في السياسة والاقتصاد والمجتمع العالميين، حيث لا يمكن تفسير انسحاب الولايات المتحدة من مناطق حساسة من العالم مثل سوريا، إلا في سياق تغلغل النفوذ الروسى، كما أن الشقاق الأوروبي الأمريكي الذي تبدى في مؤتمر ميونخ للأمن الذي عقد في فبراير2019، يشير إلى تنامي الخلاف بين الجانبين، ويدفع إلى بروز هيكل جديد للتكتلات الدولية، متعدد الأقطاب، يختلف عما عهده المجتمع الدولي، تتبوأ فيه روسيا مكانة أكبر وهو ما تريده تحديدًا موسكو وتسعى إليه حثيثًا. 

ووفقا لعديد من المحللين، فإن هناك ارتدادات لنتائج التقرير على السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية وهي كالآتي:-

أولاً: على المستوى الداخلي 

- ستعزز شعبية ترامب وحزبه الجمهوري، حيث جاءت كهدية للرئيس الذي قضى 85% من حكمه في حالة تخوف من تأثير التحقيقات على منصبه. ووفقًا لتقرير «سي إن إن»، فإنه «سيعمل على توحيد قاعدته الانتخابية، ومحو صورته السلبية في أذهان الناخبين؛ ما يعزز من احتمالات إعادة انتخابه عام 2020». يقول «آرنو دو لاغرانج»، في صحيفة «لوفيغارو»، إن «ترامب بات في موقع قوة بعد إزاحة شبح فضيحة واترجيت والإقصاء عنه، وسط حماسة قاعدته الشعبية التي زادت قناعة بأن بطلها هو ضحية».

- تعد ضربة قاصمة للحزب الديمقراطى وأتباعه، الذين طالما صرحوا أن التحقيق سينتهي إلى الكشف عن إدانة ترامب؛ واستخدام القضية لنزع الشرعية عنه ووأد أحلامه الانتخابية، وهي الورقة التي تم استخدامها في انتخابات الكونجرس النصفية، وكان ينتظر استخدامها مجددًا في الانتخابات الرئاسية المقبلة2020، وهو ما أيده «ديفيد تشارتر»، في صحيفة «ذا تايمز»، بقوله: «إن التحقيق الذي كان يعول عليه الديمقراطيون لمنحهم الأدلة الكافية لإدانته، قدم بدلا من ذلك دفعة جديدة لإعادة انتخاب ترامب عام 2020». ويقول «نيكي وولف»، من مجلة «نيو ستيتسمان»، أنه «على الرغم من متابعة الديمقراطيين لمسار التحقيق، إلا أن التحقيق انتهى بعكس ما كانوا يصبون إليه». وأشارت جريدة «ليبراسيون»، الفرنسية، إلى أنه «ليس أمام الحزب الديمقراطي من استراتيجيات، إلا الاستمرار في مواجهة ترامب قضائيا أو التركيز على برنامجه السياسي». 

ثانيا: على المستوى الخارجي 

فيما يتعلق بموسكو، يتفق عدد من المحللين أن إبراء ترامب سيسمح له بتعزيز تقاربه مع الرئيس الروسي بوتين وهو التقارب الذي ميز تلك الإدارة تحديدًا دون غيرها. وفي هذا السياق، يؤكد «ريان أوتول» من «المجلس الأطلسي»، أنها «ستخلق حالة من الجرأة لدي ترامب لتبني موقف واضحة باسترضاء موسكو بعدما رفعت القيود التي كانت تقيد تحركاته». وربما سيشعر ترامب بأن منصبه بات في مأمن من أي اضطرابات سياسية، ما يعزز من عدم تغيير سياساته الخارجية تجاه باقي دول العالم. وفي هذا الصدد، يؤكد «أندرس آسلوند» من «المجلس الأطلسي»، «ستظل السياسة الخارجية الأمريكية مزيجًا ما بين مبادلة الأدوار بين الرئيس وإدارته والتي من المحتمل أن تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام العالمي». 

وبالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، سيحافظ ترامب على اتباع نهجه المعتاد من تبني أجندة قوية لمناهضة طهران، بالإضافة إلى دعمه غير المشروط لإسرائيل، والسعي إلى نمو علاقاته مع الدول الخليجية وتعزيز النظام الإقليمي بما يتوافق مع برنامجه الرئيسي الذي يُطلق عليه «أمريكا أولا».

على العموم، سيظل تقرير مولر نقطة تحول تميز الفترة الرئاسية التي تولاها ترامب، فيما سيكون له بالغ الأثر على السياسة الداخلية في ضوء حالة عدم اليقين في استنتاجاته، ما يفتح مجالا للتحديات المستقبلية لترامب من قبل خصومه السياسيين، في الوقت الذي تظل انعكاساته قادرة على تشكيل مصير ومستقبل الانتخابات الرئاسية القادمة 2020.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news