العدد : ١٥٠٠٥ - الثلاثاء ٢٣ أبريل ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ شعبان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٠٥ - الثلاثاء ٢٣ أبريل ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ شعبان ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

من سوف يستقبل «الدواعش»؟

وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاءه الأوروبيين بين سندان «داعش» ومطرقته، بعد أن خيّر هؤلاء الحلفاء بين تسلم مواطنيهم «الدواعش» الذين قاتلوا في سوريا والعراق أو إطلاق سراحهم وهذا يعني فتح الباب أمامهم للعودة إلى البلدان التي جاءوا منها، أي إلى العديد من الدول الأوروبية، بالطبع سارعت بعض الدول الأوروبية إلى رفض هذا الخيار فيما تدرس أخرى كيفية التعامل مع مواطنيها «الدواعش»، حيث أبدت ألمانيا استعدادها لتسلمهم وفق «ضوابط قانونية»، فيما تحدثت بلجيكا عن دعمها لمبادرة تدعو إلى محاكمة دولية للمسلحين المتطرفين الأوروبيين المحتجزين في سوريا والعراق الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم «داعش».

هناك رأي أوروبي يطرح محاكمة هؤلاء المتطرفين داخل المنطقة، أي في الدول التي عاثوا فيها قتلا وتخريبا بعيدا عن البلدان التي جاءوا منها، وهذا ما أشار إليه رئيس وزراء بلجيكا شارل ميشيل سبيلين على هامش القمة العربية الأوروبية التي استضافتها شرم الشيخ بمصر مؤخرا حيث دعا إلى «إنشاء هيئة قانونية دولية لمقاضاة «الجهاديين» الأجانب أو محاكمتهم في الدول التي ارتكبوا فيها جرائمهم».

الحديث يدور عن أكثر من 800 من المقاتلين «الدواعش» الذين جاءوا من مختلف البلدان الأوروبية للقتال إلى جانب غيرهم من المتطرفين الذين تدفقوا على المنطقة من مختلف دول العالم «للإسهام» في ري بذور زهور «الربيع العربي» الذي بشرت به دولهم ودعمت أبطاله. هؤلاء الثمانمائة محتجزون الآن لدى قوات ما يعرف بـ«سوريا الديمقراطية» المؤلفة غالبيتها من المقاتلين الأكراد السوريين، وهم ليس لديهم بكل تأكيد الإمكانيات المادية لإنشاء سجون قادرة على إيواء هذا العدد الكبير من «الدواعش»، بحسب الجانب الأمريكي الذي يعد الطرف الفاعل والحاسم في تحديد مصير هؤلاء المقاتلين الأوروبيين.

لم تعد الصورة ضبابية أمام كل من تابع وراقب تطور الأحداث في المنطقة ورأى ذلك الصعود السريع لما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وتمكنها في فترة وجيزة جدا من بسط سيطرتها على مساحة جغرافية شاسعة في كل من العراق وسوريا، بما في ذلك الاستيلاء على مدن ذات كثافة سكانية عالية مثل مدينة الموصل في العراق واقتراب مقاتليها من العاصمة السورية دمشق بعد استيلائهم على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين القريب من العاصمة السورية، خيوط هذه الصورة تظهر ضلوع أطراف إقليمية ودولية في صناعة «داعش» وتمويلها وتمكينها من القيام بأداء الدور المراد منها تنفيذه.

فالدول الأوروبية بما تملكه من إمكانيات تقنية عالية جدا ونظام مراقبة متطور، لا يمكن أن تكون على جهل من تدفق مواطنيها للقتال في سوريا والعراق، أو أن أعينها بعيدة عن مراقبة هؤلاء، خاصة أن معظمهم منحدر من أصول غير أوروبية، من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الأجهزة المختصة الأوروبية وضعت أنشطة هذه العناصر وتحركاتهم تحت مراقبتها، حتى قبل أن يغادروا إلى الخارج للقتال في صفوف الجماعات المتطرفة، ليس في سوريا فحسب بل في ليبيا وتونس وغيرها.

عودة إلى قضية الــ800 «داعشي»، هل يمكن وصف ذلك بأنه بداية المتاجرة بهؤلاء «الدواعش» واستخدامهم كأوراق ابتزاز سياسي بين أطراف اللعبة السورية والعراقية، وهل ستقبل أوروبا بمحاكمة مواطنيها وفق قوانين الدول التي ارتكبوا جرائمهم على أراضيها، أم أنها ستعمل على استعادتهم والحديث عن معالجة قضيتهم معالجة «إنسانية» و«قانونية»، مع أن الموقف القانوني الصائب يميل إلى أن من حق الدول التي تعرضت شعوبها لجرائم هؤلاء الإرهابيين، أن تحاكمهم وفقا لقوانينها المعمول بها ذلك أن هذه الجرائم ارتكبت في هذه البلدان وليس في البلدان التي يحملون جنسيتها. 

هؤلاء «الدواعش» الذين أصبح مصيرهم بأيدي الجانبين الأمريكي والأوروبي أكثر من الآخرين، يمكن أن يتحولوا إلى «ذئاب منفردة» أو حتى خلايا نائمة ما لم تتم معالجة قضيتهم معالجة قانونية من حيث إخضاعهم لمحاكمة في البلدان التي اقترفوا الجرائم فوق أراضيها، لأن مثل هذا «الصيد السمين» الذي لا يقدر بثمن بالنسبة إلى الأطراف التي عملت على تجهيز «داعش» ورعايتها وتمكينها من بلوغ أوج قوتها وانتشارها، لا يمكن التفريط فيه بجرة قلم، هذا الخوف له ما يبرره، ذلك أن التجربة العملية تؤكد أن «داعش» لم يخلق من عدم ومن ثم لن يعدم أيضا، فالمسرح لا يزال شاغرا وهناك أهداف لم يسعف «داعش» الوقت لإنجازها.

من حق الدول والشعوب التي تعرضت لبشاعة الأعمال الإجرامية على أيدي هؤلاء القتلة الذين تم جلبهم من مناطق ودول عدة، أن تكون لها كلمة الفصل في تحديد مصير مئات «الدواعش» الذين تم إلقاء القبض عليهم، خلال المعارك المصيرية التي جرت مؤخرا خاصة في سوريا والعراق، فأبناء هذه الدول هم الذين دفعوا الأثمان الباهظة جراء الجرائم التي اقترفتها عناصر تنظيم «داعش» من دون نكران أن أبناء الدول التي رعت ومولت وجهزت هؤلاء القتلة دفعوا هم أيضا أثمانا لهذه الجرائم، وإن كانت تلك الأثمان لا تذكر أمام تلك التي شاهدناها في العراق وسوريا وغيرها من دولنا العربية.

الخوف هو أن تستغل قضية أسرى «داعش» كورقة سياسية للابتزاز أو المساومة، فتجربة الحرب ضد «داعش» وإخوته، وخاصة في كل من العراق وسوريا لم تبح بعد عن كامل أسرارها، فما تكشف من معلومات وما رشح من نتائج لهذه الحرب ليس سوى المقدمة والبداية، فهذا التنظيم وأعني به «داعش» وبالقوة والانتشار الواسع الذي حققه على مدى سنوات عمله فوق الأراضي العراقية والسورية، لا يمكن أن يذوب كفص الملح، فما وقع في الأسر أو قتل في المعارك، ليس سوى عدد قليل مقارنة بالقوة البشرية التي يتمتع بها التنظيم قبل «الانقلاب» الأخير.

 

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news