العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٥٩ - الأحد ١٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ شوّال ١٤٤٠هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

حوارات حول إيران ونظامها الفاسد

 


الحرس الثوري أداة النظام للقمع والاستبداد ولا يمكن أن يقف على الحياد



الشعـب ممـزق بيـن القوميـة الإيرانيـة والمذهبية الشيعيـة


 


بارهام: الطبقة الحاكمة عصبة من المجرمين أزهقوا أرواح الملايين

طاهري: اقتصاد إيران في قبضة الحرس الثوري ومؤسسة الإمام الرضا


الأسبوع الماضي قضيتُ بضعة أيام في باريس، وقد كنت محظوظا أن أتيح لي الالتقاء بعدد من المفكرين الإيرانيين. كنت حريصا في هذه اللقاءات على أن أتعرف على رؤاهم ووجهات نظرهم فيما يتعلق بالأوضاع الحالية في إيران وإلى أين تتجه بالضبط.

صديقي العزيز القديم الدكتور شاهين فاطمي قام بترتيب أول هذه اللقاءات مع الصحفي الإيراني البارز أمير طاهري، وهو كاتب معروف تنشر الصحف البريطانية اليومية مقالاته بانتظام، وبعض الصحف العربية أيضا. وهو أيضا مؤلف لعدة كتب، ومعروف باستقلاليته واعتزازه بمواقفه، وأنظر إليه باعتباره فيلسوفا ومؤرخا.

سألت طاهري: في تقديرك، كيف تستطيع إيران أن تتحرر من أغلال النظام الثيوقراطي المستبد، وأن تقيم دولة علمانية، علما بأن هذا كان هو الهدف الأساسي للثورة الإيرانية؟

أجابني قائلا: ليس هناك نظام يستطيع أن يبقى في السلطة إلى الأبد.. انظر مثلا إلى ما يحدث في الجزائر هذه الأيام، وكيف أن الشعب الجزائري يقوم بالإطاحة برئيسه عبدالعزيز بوتفليقه، وكيف أن القوات المسلحة الجزائرية وقفت على الحياد ثم أعلنت انحيازها إلى الشعب. هذا بالضبط هو ما سوف يحدث في ايران.

الحقيقة أن ما قاله طاهري تفكير خيالي غير واقعي على الإطلاق حين يتعلق الأمر بإيران. قبل كل شيء، يجب أن نلاحظ أن الجزائر لا يوجد بها حرس ثوري. الجيش الإيراني يبلغ عدد أفراده اليوم 380 ألف جندي. من بين هؤلاء يوجد 18 ألفا في البحرية، و30 ألفا في القوات الجوية والدفاع الجوي. ومن بين العدد الإجمالي لأفراد الجيش يوجد 150 ألفا مجندون تجنيدا إلزاميا. في الوقت نفسه يبلغ عدد أفراد الحرس الثوري أكثر من نصف مليون. وليس من الواقعي أبدا الاعتقاد أن أعضاء الحرس الثوري هؤلاء يمكن أن يقفوا على الحياد في أي وقت وأي ظرف، فهم ببساطة سلموا مصائرهم وأقدارهم إلى رجال الدين المستبدين بالسلطة.

مثقف إيراني بارز آخر التقيت به في باريس هو رامين بارهام، لخص وجهة نظره بالقول: إن الطبقة الفاسدة الحاكمة في إيران (التي يطلق عليها الجمهورية الاسلامية) ما هم إلا عصبة من المجرمين، وهم مسؤولون عن إزهاق أرواح الملايين.

وتابع قائلا: لكي تعرف إلى أي حد وصلت أزمة الطبقة الحاكمة حاليا، يكفي أن أشير إلى ما قاله مؤخرا، وهو ليس مراقبا أوروبيا، ولكنه أحد كبار المسؤولين في النظام، هو موسى غضنفر آبادي رئيس محاكم الثورة في طهران. قبل نحو شهر كان يتحدث إلى طلاب العلوم الدينية في قُم عن الأوضاع الحالية بعد الانتفاضة التي شهدتها إيران وما تمثله من تهديدات للنظام. خاطب الذين يريدون التخلي عن الثورة التي أتت بالنظام الديني في إيران وهددهم قائلا: «إذا تخلينا نحن عن دعم الثورة سيأتي الحشد الشعبي العراقي و(فاطميون) الأفغاني و(زينبيون) الباكستاني و(الحوثي) اليمني و(حزب الله) ليدعموا الثورة».

على ضوء هذا، فإن أي اعتقاد أنه حين يأتي وقت الحسم فإن الحرس الثوري يمكن أن يقف على الحياد هو مجرد وهم لا يمكن أن يتحقق. وأغلب الظن حينئذ أن الجيش الإيراني سيكون عليه أن يخوض حربا أهلية.

وكان لرامين بارهام وجهة نظر أخرى تتمثل في أن رابطة قوية من الأخوة يجب أن تتشكل وتربط بين إيران وباقي الدول العربية الخليجية. وهذه مبدئيا وجهة نظر صائبة وحكيمة على افتراض أن الأوضاع في المنطقة يمكن أن تكون مهيأة لهذا، وافتراض أن قادة المستقبل في إيران سيكونون مستعدين لمثل هذا التحالف. لكن، أي مراقب سياسي وقارئ للتاريخ لا يمكنه تجاهل حقيقة أن الشعب الإيراني كأمة ممزق بين قوميته الإيرانية وشيعيته الدينية. هذه المعضلة تحكم إيران منذ 500 عام على الأقل، ولا يمكن تصور أنها سوف تزول أو تختفي بمجرد تغيير النظام.

وأذكر أنني سألت أمير طاهري: من الذي يسيطر على ثروة إيران؟

أجاب: هناك ثلاثة قطاعات كبرى يقوم عليها الاقتصاد الإيراني: القطاع الأول هو صناعة النفط. والقطاع الثاني هو مؤسسة الإمام الرضا التابعة للمرشد مباشرة، ويبلغ دخلها السنوي بلايين الدولارات، وتمتلك أكثر من 2.5% من أفضل الأراضي الزراعية في البلاد، كما تمتلك إمبراطورية من العقارات والممتلكات. والقطاع الثالث هو القوة الاقتصادية للحرس الثوري، الذي يسيطر على البنوك والبيوت المالية والصناعات وقطاع الصادرات والواردات.

على ضوء هذه المعلومات والحقائق يمكن أن ندرك إلى أي حد تصل ضخامة الطبقة الفاسدة التي تحكم في إيران وما تمتلكه من ثروات. وللأسف، لا توجد سوابق تاريخية لمثل هذا الوضع الذي وصلت إليه إيران.

والسؤال الذي يجب أن نسأله هو: هل الإيرانيون أمة حكيمة؟ نعني بالطبع الأغلبية الساحقة من الإيرانيين.. هل لديهم تفكيرهم المستقل، أم أنهم تعرضوا لعملية غسيل مخ في السنوات الأربعين الماضية؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نتوقف عند الإحصاءات. الإحصاءات تشير إلى أن 58 مليون إيراني، من بين 83 مليونا هم إجمالي عدد الإيرانيين، مولودون بعد الثورة. يعني هذا أن هؤلاء لم يعايشوا الأوضاع التي كانت عليها إيران من قبل، وربما لم يقرأوا إلا القليل عن تلك الحقبة، من دون أن نتحدث عن معرفتهم بالشعر ونمط الحياة قبل الإطاحة بأسرة بهلوي. هذه الحقيقة في حد ذاتها تمثل بداهةً عاملا له أهمية حاسمة في أي حديث عن المستقبل وتؤثر فيه بشدة، على الرغم من أننا نعيش في عصر التقدم التكنولوجي، ويمكننا أن نعرف أي شيء يتعلق بالماضي بمجرد ضغطة زر واحدة.

 ولا أجد أفضل ما يمكن أن أختم به هذه الحوارات مما قاله صديقي القديم الدكتور فاطمي، قال لي: إن الموقف في إيران اليوم يشبه تماما موقفا سبق أن وصفه الشاعر شهيد بلخي قبل نحو عشرة قرون حين كتب: لقد حلمت الليلة الماضية بأنني ذهبت إلى أنقاض مدينة طوس (وهي مدينة إيرانية قديمة في شمال شرق إيران شهدت العديد من الاضطرابات والانتفاضات العنيفة)، وحلمت بأنني شاهدت بومة بدلا من أن أشاهد طاووسا. وقلت: أيتها البومة، ما الذي يمكن أن تقوليه لي من أنباء عن هذه الأنقاض والخرائب؟ أجابت البومة: واحسرتاه.. لا شيء يقال سوى واحسرتاه.

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news