العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

المال و الاقتصاد

الشراء على مسؤولية المشتري..
مجتمع المغتربين وبيع الاستثمارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

{ وليم طعمة.

الثلاثاء ٠٩ أبريل ٢٠١٩ - 01:15

تعتمد العديد من النماذج الاقتصادية التقليدية على فكرة أن الإنسان شخصية عقلانية محض. وكما تقول النظرية: يسعى الإنسان الاقتصادي على الدوام إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب. مع ذلك، يبرهن علماء الاقتصاد السلوكيون أن البشر في كثير من الأحيان غير عقلانيين في صنع قراراتهم. هذه هي المكانة المعرفية التي يسعى التمويل السلوكي إلى استكشافها وفهمها: لماذا يتّخذ الأشخاص الحقيقيون، على نقيض النماذج المجرّدة للناس، قراراتهم المالية على هذا النحو؟

ويدرس التمويل السلوكي في هذا الإطار كيف تؤثّر التحيّزات على التخطيط المالي. 

بعض أمثلة التحيّزات السلوكية المالية:

- التحيّز التمثيلي: تستند القرارات إلى المظاهر، على سبيل المثال، افتراض أن شراء مشورة من محترف سوف يشكل تلقائياً استثمارًا جيدًا.

- التحيّز التحفظي: الميل إلى الاحتفاظ بحكم أوّلي رغم المعلومات المتضاربة.

لسوء الحظ، يمكن لهذه التحيّزات أن تنحرف عن مسارها عند نقلها من بيئة إلى أخرى. ونشهد مثالاً قوياً على ذلك في قرارات استثمار المغتربين من الأسواق المتقدمة، عندما ينتقلون إلى الأسواق الناشئة مثل الإمارات العربية المتحدة.

في أعقاب العديد من الفضائح، حقّقت المملكة المتحدة وبلدان أخرى خطوات كبيرة في إصلاح مبيعات الاستثمار. للأسف، يختلف الوضع في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث لا تزال تزدهر هياكل البيع والتوزيع التي غالباً ما تحفّز المستشارين لوضع مصالحهم قبل مصلحة العملاء. 

لكن الآن وقد أصبحت الإمارات العربية المتحدة على وشك أن تصبح أكثر جاذبية لنوع مختلف من المغتربين وهم المتقاعدون الأثرياء، تبرز الحاجة إلى تنظيم ممارسات بيع الاستثمار في المنطقة بسرعة متزايدة. فإن قواعد الهجرة الجديدة، التي تدخل حيزّ التنفيذ هذا العام، ستسمح للمغتربين الذين تزيد أعمارهم على 55 عامًا باختيار تأشيرة دخول لمدة خمس أو عشر سنوات قابلة للتجديد بشرط استيفاء معايير معيّنة. أما في السابق فكان الأجانب الموظفون هم المؤهلين فقط للحصول على التأشيرات.

وربما استعدادًا لهذه التغييرات، أعلنت هيئة التأمين في الإمارات العربية المتحدة (آي إيه) بتاريخ 31 يناير إصلاح أنظمتها الخاصة بالتأمين على الحياة. جرّاء ذلك، سيتأثّر مجالان بشكل خاص هما معاشات التقاعد وبيع التأمين مع القواعد الجديدة التي تشمل سقفاً محدداً للعمولة، ومتطلبات الإفصاح المحسّنة، وشروط أكثر صرامة لمنح تراخيص لمحترفي المبيعات.

وبمجرد الانتهاء من وضع الأنظمة، التي لا تزال حاليًا في صيغة مشروع، سيمتد السقف المحدّد للعمولة على مرحلة مدتها سنتان، في حين ستُقسم متطلبات الكشف على مراحل تمتد طوال عام واحد. أما التغييرات في دفع الرسوم فستكون سارية المفعول على الفور.

يدعو معهد المحلّلين الماليين المعتمَدين منذ فترة إلى إفصاح عالمي عن الرسوم. استناداً إلى الدراسة التي أجريناها على المستوى العالمي حول ثقة المستثمر بعنوان «الجيل التالي من الثقة»، يقول 84% من المستثمرين إن ثقتهم في النظام تعتمد في معظمها على الإفصاح الكامل، كما أوضحت الدراسة أن نسبة رضا المستثمرين كانت أقل من النصف. لن يكون مفاجئًا إذن أن تكون متطلبات الكشف عن القواعد الجديدة هي الجانب الأكثر ترحيبًا في النظام. للمضي قدمًا، سيتعيّن على المستشارين تقديم جدول للعمولات والرسوم لاستمرارية هذه السياسة، بما في ذلك الأعباء المالية الأساسية، والتي لا يتم تضمينها حاليًا في معظم الرسوم التوضيحية لشركات التأمين على الحياة، مما يؤدي إلى نتائج مغرية بشكل مصطنع.

وسيشهد السقف المحدّد للعمولة على انخفاض الرسوم بشكل كبير. على سبيل المثال، سيتمّ تطبيق سقف قدره 4.5% على بيع حافظات السندات/السندات الخارجية بمبلغ إجمالي، مقابل معدل 9-14% المدفوع حاليًا.

وفقًا للدراسة التي أجريناها، تبيّن أن 80% من المستثمرين الذين شملتهم الاستبانة في دولة الإمارات العربية المتحدة يوافقوون على أن التطوير المهني المستمر يُعدّ مجالاً آخر يزيد من ثقة غالبية مستثمري التجزئة في جميع الأسواق. لكن في العديد من السلطات القضائية الخارجية، لا يوجد حدّ أدنى من التأهيل المهني المطلوب لبيع المنتجات الاستثمارية. ومجدداً سيتغيّر ذلك مع ترخيصَين منفصلين لمنتج تراخيص التأمين ولمستشار الاستثمار، بمعنى أنه سيتم تطبيق نفس المعايير العالية على أولئك الذين يبيعون التأمين والاستثمارات.

وإلى أن يحين الوقت حتى تدخل الأنظمة الجديدة حيّز التنفيذ، ربما يكون أكثر المسارات تعقّلاً للمغتربين هو أن يضعوا في اعتبارهم كلمات المستثمر الأسطوري بنيجامين جراهام: «إن المشكلة الرئيسية للمستثمر -حتى أسوأ عدو له- هي على الأرجح نفسه». وقد أدلى جراهام بتصريحاته قبل فترة طويلة من فجر التمويل السلوكي، لكن بصيرته الثاقبة تشهد على سمة إنسانية أساسية: فنحن نفكر في أغلب الأحيان بقلبنا وليس بعقلنا.

رغم ذلك، يُعدُّ إدراكنا لتوجهاتنا السلوكية خطوة أولى قوية في التغلّب عليها. لذلك عندما نستثمر يجدر بنا إعادة تقييم قراراتنا الاستثمارية على أساس دوري (تأكيد التحيّز) والتذكُّر أن المظاهر يمكن أن تكون خادعة (تحيّز تمثيلي).

كما يستطيع المغتربون المساعدة في التغلّب على آثار تحيزّاتهم من خلال البحث عن مستشار مالي مستقل مؤهل تأهيلاً جيداً يرغب في العمل على أساس الرسوم فقط، وليس على أساس المنتج. ويتوجّب على المرء قراءة جميع الوثائق بتمعّن وعدم التردّد في طرح الأسئلة. وأخيرًا، إذا لم يستطع مستشارك أن يشرح بلغة واضحة وبسيطة كيفية عمل سياسة ما، فاحترس من المتابعة، إذ يشكّل عدم تناسق المعلومات دائمًا علامة تحذير.

 

وليم طعمة، محلّل مالي معتمد، الرئيس الإقليمي لمعهد المحلّلين الماليين المعتمَدين (سي أف إيه) في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news