العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

حديث القلب

حامد عزت الصياد

مثقال ذرة

يقولون إن نسبة الأقوال إلى قائليها من بركة العلم، لكن حين أعجز عن إيجاد من قال: «أنت مكلف بالسير لا بالوصول» أدعو له بظهر الغيب وأترحم عليه.

صاحب هذا القول يشرح لنا بإيجاز: «أن الطريق إلى الله طويل، وأن العمل معه لا يشترط أن نصل فيه إلى الهدف، لكن مادامت النية خالصة لله، فمن المهم أن نموت ونحن نعمل فيه».

بمعنى آخر «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40)» النجم.

السمة الأساسية لحركة الموت والحياة، تكمن في أنها من صنع الخالق سبحانه المهيمن عليه والمتصرف فيه، ولعل الفرضية الأساسية للآية 2 من سورة الملك «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ»، هي أن يأتي ذكر «الحياة» فيها قبل «الموت» كتصوير مألوف، ولكن جاء ذكر «الموت» مقدما على «الحياة»، لأن «الموت» يشمل السابق واللاحق من «الحياة»، وهذه الأخيرة، تشمل الأولى والآخرة.

البعض منا لا تزال ثقافته عن الموت شحيحة، وإن فهم شيئا، تبقى مداركه محدودة، في مقابل يقين أرساه القرآن الكريم وسنه المصطفى صلى الله عليه وسلم، بثقافة إسلامية خاصة، يطلع عليها المؤمن الفطن، ويحفظها عن ظهر قلب، ويعمل بها، ويحذر منها، ويتنافس من أجلها، ويجعلها في نسق متوازن، يعرف منها فيما تؤول إليه مصائر البشر بعد الموت، كما يعرف منها أنه سيموت حتما، ويشرب من هذه الكأس عاجلا كان أم آجلا، والبعض الآخر يعطي من دنياه لآخرته، ويشكل بحضارة إيمانه المطلق، ما وقر في القلب، وصدّقه العمل، فيما نصطلح عليه جميعا «إيمان المرء المطلق بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». 

كم مرة في اليوم يتذكر الإنسان منا أنه سيموت؟ وأن ملك الموت «عليه السلام» سيفاجئه بزيارته؟ وأن أربعين ملكا يجلسون عن يمينه، ومثلهم عن يساره حتى تصعد روحه إلى بارئها؟ 

كم مرة ؟

في اعتقادي أنه على مستوى الحياة الدنيا، لا يتذكر الموت سوى عدد قليل من الناس، وعلى الطرف الآخر، فإن الموت لدى آخرين غير واضح ولا محسوس، وإن وضح لهم، فإنهم لا يحبون ذكره في مجالسهم، ويطلبون منك إغلاق سيرته، وهذا ما نصطلح على تسميته لهذه الفئة «بالثقافة الجاهلة»، أو بمعنى آخر، الجهل بمكنون الموت، أو الأقل علما به. 

على أي حال، لن يفلت مخلوق من الموت مهما بلغ من القوة وطول العمر، حيث جرى به قلم القدرة على جميع المخلوقات، كونه جزءا من ناموس الكون، بل سيلاحقنا من كل اتجاه، حتى لو دخلنا جحر نمل، أو أغلقنا على أنفسنا جميع الأبواب، أو تحصنّا في قلعة محفورة في واجهة جبل.

كما لن يُذهب عنا وحشة القبر سوى عملنا الصالح، وستعرضنا الملائكة حفاة عراة على ميزان العدل عند قيوم السماوات والأرض، يحكم بيننا فيما كنا نعمل فيه أو نختلف، وفي الختام، سيكون المعيار الفاصل بين الجنة والنار «مثقال ذرة» من عمل «أتينا بها.. وكفى بنا حاسبين»، ربح فينا من ربح، وخسر منا من خسر.

ولمثل هذا، فليعمل العاملون، وليحذر المسرفون، وليتنافس المتنافسون.

إنا لله وإنا إليه راجعون. 

إقرأ أيضا لـ"حامد عزت الصياد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news