العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٤ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

محنة المرأة في إيران

بقلم: فرهاد خوسروكافار

الثلاثاء ٠٢ أبريل ٢٠١٩ - 01:29

 

 

لقد تحولت المرأة في إيران إلى كبش فداء لنظام طهران الذي بات يتخبط في أزمة خانقة. فقد حكم على المحامية نسرين سوتودة بالسجن مدة عشرة أعوام إضافية، علما أنها تقضي حكما بالسجن مدة خمسة أعوام. تضمن الحكم الجديد أيضا 148 جلدة وهو ما يعكس نزعة نظام طهران للقضاء على الحركة النسوية. لا شك أيضا أن هذا الحكم المشدد والذي صدر ضد هذه الناشطة المعروفة بالدفاع عن حقوق الإنسان يخفي رغبة نظام طهران اليائسة في البحث عن مخرج للتغطية عن سياساته الفاشلة.

إن الوعود التي قدمها هذا النظام الثيوقراطي منذ قيام الثورة الخمينية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي ظلت حبرا على ورق سواء تلك الوعود الجوفاء المتعلقة بالتنمية الاقتصادية أو العدالة الاجتماعية أو الوفاق باسم الأمة الإسلامية أو حماية الإسلام في العالم. لم يفعل نظام طهران أي شيء للدفاع عن المسلمين المقموعين في الصين خوفا من إثارة حفيظة نظام بكين واستفزازه. 

في ظل الغضب الاجتماعي المتصاعد في إيران أصبح نظام طهران يستهدف المرأة الإيرانية ويسعى لتحويلها إلى كبش فداء للتغطية على نتائج سياساته الكارثية وقد وقع اختيار على المحامية والناشطة نسرين سوتودة التي تعتبر الوجه البارز للحركة النسوية الإيرانية.

لم يعد فشل التنمية الاقتصادية والاجتماعية يخفى على أحد، سواء في داخل إيران نفسها أو في المنطقة الإقليمية والعالم ككل. ففي عام 1979؛ أي في السنة التي أطاحت فيها الثورة الخمينية بنظام شاه إيران، كان متوسط الناتج الداخلي الخام بحساب الفرد الواحد يصل إلى ضعفي ما نجده في تركيا في تلك الفترة. أما اليوم فقد أصبحت الصورة معكوسة بعدما تقدمت تركيا وتأخرت إيران بشكل ينذر بالخطر. 

رغم هذا الفشل الذريع فإن نظام طهران يأبى أن يراجع أولويات سياساته الاقتصادية. فقد أصبح القطاع الزراعي في أمس الحاجة إلى الدعم المالي الحكومي من أجل مواجهات التحديات الناجمة عن التغيرات المناخية الخطرة والتي أصبحت تأثيرات واضحة في مختلف أنحاء البلاد. رغم ذلك تظل سلطات طهران ترفض الاعتراف بهذه التحديات والأخطار التي باتت تستدعي اتخاذ إجراءات طارئة.

في الأثناء لاتزال طبقة رجال الدين الملالي تستأثر بنسبة كبيرة من ميزانية الدولة، تضاهي تلك النسبة التي تخصص على سبيل المثال للتعليم. تتولى إيران تمويل مليشيات «حزب الله» اللبنانية، ومختلف الجماعات الإسلامية المختلفة في منطقة الشرق الأوسط وهي التنظيمات التي تدور في فلك نظام الملالي في طهران والتي تستخدم هذه التنظيمات في تمرير الأجندة الإيرانية في المنطقة.

لا شك أيضا أن هذه الإخفاقات الجسيمة في السياسة التي ينتهجها نظام الملالي في طهران تجعل من قضية المرأة مسألة ذات أهمية كبيرة لهذا النظام. لا يكفي أن المرأة الإيرانية تعاني من انعدام عدالة النظام القضائي، بل إنها تحولت أيضا إلى كبش الفداء الذي يدفع ثمن إخفاقات الحكومة الإيرانية.

تتعامل السلطات الإيرانية بشكل قمعي مع المرأة من أجل إخضاعها ومن ثم إخضاع المجتمع الإيراني معها والحفاظ على شرف المجتمع الذكوري. لا شك أيضا أن الحكم القاسي، والصادر بحق المحامية نسرين سوتودة يعكس الطبيعة القمعية للنظام الإيراني الذي يتخبط اليوم في أزمة خانقة تفاقمت أكثر بسبب العزلة الدولية.

لقد بلغت الحركة النسوية أوجها ردا على انتخاب الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد سنة 2005 والذي كان أكثر تشددا من سلفه محمد خاتمي الذي تولى منصب الرئاسة في الفترة بين سنتي 1997 و2005.

عقب وصول محمود أحمدي نجاد إلى الحكم انطلقت حملة ضخمة لجمع أكثر من مليون توقيع وذلك من أجل المطالبة بالمساواة القانونية بين الرجل والمرأة. حاول جيل جديد من النساء الإيرانيات شن حملة ضد مظاهر التمييز الاجتماعي وانعدام المساواة بين الرجل والمرأة فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث والتشغيل. لقد طالب هذا الجيل الجديد من الناشطات بوضع حد للقمع السياسي ضد المرأة وقد لاقت هذه الحملة دعما من الكثير من الرجال الإيرانيين.

أظهرت عدة دراسات جامعية أن مشاركة الشباب الإيراني من الذكور في هذه الحركة النسوية كانت على قدر كبير من الأهمية، وهو ما يدل على أن هناك تقاطعا مهمًّا بين الرجل والمرأة في التنديد بانعدام العدالة والمساواة المنتشرة في المجتمع الإيراني. يرفض الشباب الطريقة التي تعاملهم بها طبقة رجال الدين الملالي وكأنها قصر من نظام يقيد الحريات ويمارس الوصاية على حرية الضمير باسم التقاليد البالية.

سعيا لمواجهة هذه الحركة التحررية النسوية، أطلق الرئيس محمود أحمدي نجاد حملة قمعية واسعة النطاق، مستخدما في ذلك مختلف الأجهزة الأمنية التابعة للدولة. فقد تم اعتقال الكثير من الناشطات وسجنهن في ظروف قاسية. 

بعد ذلك حكم على الكثير من المثقفات والمحاميات والقاضيات والكاتبات والمواطنات العاديات بالسجن مدة طويلة، وقد كانت من بينهن نرجس محمدي ونسرين سوتودة وهما من المدافعات البارزات عن حقوق الإنسان. أما المحامية شيرين عبادي والناشطة المدافعة عن حقوق الإنسان مهرنجيس كار والمناضلة منصورة سوجاه فقد اضطررن للعيش في بلاد المنفى. 

لم يعد هذا الجيل من المناضلات الإيرانيات يهبن النظام أو يخفن السجن وهن يتمتعن بجرأة أكبر وشجاعة أكثر مع قدر كبير من حرية الضمير. لم تعد الكثيرات منهن يترددن في التدخل في الفضاء العام ونزع الحجاب حتى وإن كان يعرضهن للقمع والسجن. 

يمارس نظام طهران القمع ضد هؤلاء النسوة وهو يريد أن يبعث برسالة طمأنة إلى جناح يمثل الأقلية لكنه يتمتع بنفوذ كبير في التيار المحافظ الذي يقوده رجال الدين الملالي والذين يعتبرون أن مثل هذه السياسة التعسفية القمعية تمثل السبيل الوحيد للبقاء في الحكم.

أصبحت الثقافة والفنون من أدوات الرفض والاحتجاج في إيران أيضا غير أن جهود التعبئة تصطدم بالعقوبات الاقتصادية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران. من شأن هذه العقوبات أن تضعف الطبقات الوسطى وتسمح للنظام في طهران بتصوير نفسه على أنه حامي حمى البلاد ضد سطوة دولة أجنبية تتربص بوطنهم. 

من حسن الحظ أن هذه الحركة النسوية أصبحت متجذرة في ذهنية الأجيال الجديدة في إطار مشروع التحرر والانعتاق، وهو المشروع الذي سيظل قائما طالما أن العدالة الاجتماعية والسياسية لم تتحقق ولم يتم تكريسها على أرض الواقع. 

لا تتعامل طبقة رجال الدين الملالي إلا بالعنف والأساليب القمعية في تعاملها مع المطالب الشرعية التي تعبر عنها النساء في إيران والعمال ومختلف الفئات الأخرى في الشعب الإيراني والتي تعاني من ضنك العيش بعد أربعة عقود كاملة من الحكم الخميني. فالنسوة الناشطات من أمثال نسرين سوتودة لا يناضلن فقط من أجل حقوق المرأة بل إنهن يناضلن أيضا من أجل تكريس الرجال وكل أبناء الشعب الإيراني وتعزيز حقوق المواطنة. 

‭{‬ تبلغ سوتودة خمسة وخمسين عاما من عمرها وهي من بين المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان في إيران وقد مثلت ضمن عدة نساء تم توقيفهن لاحتجاجهن على إجبار الجمهورية الإسلامية المرأة على ارتداء الحجاب. 

‭{‬  يذكر أيضا أن سوتودة قد منحت جائرة ساخاروف الحقوقية التي يمنحها البرلمان الأوروبي في 2012 بفضل دفاعها عن قضايا حقوقية وسياسية، بما في ذلك توليها قضية القاصرين الذين يواجهون الإعدام في إيران.

‭{‬  قضت سوتودة أيضا ثلاث سنوات في السجن بين عامي 2010 و2013 بتهمة القيام بأعمال تهدد الأمن القومي والدعاية ضد النظام وهي ممنوعة من مغادرة البلاد حتى سنة 2022.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news