العدد : ١٥٠٣٩ - الاثنين ٢٧ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٣٩ - الاثنين ٢٧ مايو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ رمضان ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

مركز الحرب الجوية: جاهزية السعودية لمواجهة مهددات أمنها القومي

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ٠١ أبريل ٢٠١٩ - 01:15

في السابع عشر من مارس الماضي أعلن الفريق ركن الأمير تركي بن بندر بن عبدالعزيز قائد القوات الجوية الملكية السعودية أن المملكة تعتزم إنشاء مركز للحرب الجوية بالمنطقة الشرقية وذلك خلال زيارته لقاعدة نيليس الجوية الأمريكية مؤكدًا أمرين الأول: أن ذلك المركز سوف يكون مماثلاً لما هو موجود في تلك القاعدة، والثاني: أن المركز سوف يتم دعمه بالكوادر البشرية المؤهلة وبالأنظمة التي سوف تتيح للأطقم الجوية والفنية التدريب في واقع مماثل للحرب الحديثة. 

وبرأيي أن ذلك القرار يعد نوعيًا ليس فقط بالنسبة إلى تطور القدرات الدفاعية للمملكة العربية السعودية بل كونه خطوة مهمة لتحقيق توازن القوى الإقليمي، صحيح أن التحولات التي طرأت على طبيعة التهديدات الأمنية قد فرضت واقعًا مغايرًا بعيدًا عن الحسابات العسكرية التقليدية وخاصة أن التحدي الحقيقي الآن يتمثل في «الحروب اللا متماثلة» إلا أن تعزيز القدرات الجوية يبقى أمرًا استراتيجيا للغاية لثلاثة أسباب أولها: انحسار مخاطر التهديدات البرية بشكل كبير وخاصة منذ عام 2003. وثانيها: أن مواجهة التهديدات الراهنة وإن كانت تتطلب تعزيز جميع أفرع القوات المسلحة فإن الغطاء الجوي يبقى مرتكزًا رئيسيا لعمل تلك القوات، وثالثها: حاجة المملكة العربية السعودية إلى تعزيز قدراتها الجوية بوتيرة متسارعة في ظل استمرار الأزمة اليمنية والتي لوحظ أنه يتم توظيفها داخل بعض مؤسسات الحكم الغربية من خلال المطالبة بوقف دعم المملكة التي تقود التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن.

ومع التسليم بأهمية الاستفادة من تجارب الدول الكبرى في إنشاء مثل تلك المراكز فإن للمملكة ما يؤهلها لتعزيز قدراتها الجوية ابتداءً بالخبرة العملية التي اكتسبها الطيران السعودي خلال مواجهة المليشيات الحوثية في اليمن، ومرورًا بالمناورات العديدة التي شاركت فيها القوات الجوية السعودية خلال السنوات القليلة الماضية مع عدد من الدول العربية والغربية والتي استهدفت في جزء كبير منها محاكاة حالة حرب حقيقية ومنها على سبيل المثال لا الحصر مناورات العلم الأخضر مع القوات الجوية البريطانية العام الماضي، ومناورات العلم الأحمر مع القوات الجوية الأمريكية سبع مرات، بما يعني أن الإجراءات الاحترازية قد أضحت حاضرة وبقوة لدى المملكة وانتهاء بالقدرات التسليحية للمملكة سواء بالنسبة إلى حجم الإنفاق العسكري أو امتلاك طائرات مقاتلة حديثة للغاية وهو ما يؤكده عديد من التقارير الحديثة التي صدرت في هذا الشأن، وأتصور أن الأهم من بين تلك المقومات هو العنصر البشري الذي استطاعت المملكة الاستثمار فيه بشكل مدروس للغاية من خلال الدورات التدريبية العديدة التي حصل عليها أفراد القوات الجوية في مراكز متخصصة بما يجعل هؤلاء الأفراد المرتكز الرئيسي لعملية التطوير، بالإضافة إلى إجراءات أخرى مهمة منها على سبيل المثال لا الحصر إنشاء الشركة السعودية للصناعات العسكرية في مايو 2017. فضلاً عما أشار إليه تقرير حديث لمجلة ديفينس نيوز الأمريكية الشهيرة من أن المملكة «بدأت طريقها نحو الاكتفاء الذاتي عسكريا» وأن أبرز ما تم في هذا المجال هو خطة المملكة لتطوير البنية التحتية والصناعة ومن بينها قطاع الدفاع والصناعات العسكرية ويتوقع أن تبلغ الاستثمارات في تلك الخطة عمومًا حوالي 426 مليار دولار بحلول عام 2030.

ومع أهمية تلك المؤشرات وغيرها بما لا يدع مجالاً لأدنى شك أن توجه المملكة إلى تعزيز قدراتها العسكرية عمومًا والجوية على نحو خاص هو خيار استراتيجي فإن ذلك يعد استجابة مدروسة لمستجدات البيئة الإقليمية سواء الحالية أو المستقبلية، ففي الوقت الحالي نجد أن التحالفات أضحت هي الآلية الرئيسية لمواجهة التهديدات الأمنية سواء التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن أو التحالف الدولي لمحاربة داعش، وجميعها تؤدي القوة الجوية الدور الرئيسي فيها، بالإضافة إلى استمرار إيران في تطوير أجيال متعاقبة من الصواريخ وإمداد المليشيات التابعة لها في اليمن بتلك الصواريخ، ومستقبلاً نجد أن ثمة ترتيبات تلوح في الأفق وتتمثل في مقترح تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي والذي قد يتضمن تعاونًا في مجالات عديدة بما يعني أن تطوير القوات الجوية قد أضحى ضرورة ملحة الآن وقبل أي وقت مضى.

 وتأسيسًا على ما سبق فإن التطور النوعي في سلاح الجو السعودي يسهم في تحقيق توازن القوى الإقليمي وهو الشرط الأساسي لتحقيق الأمن الإقليمي من واقع تحليل خبرات إقليمية مماثلة، صحيح أن التحالفات والشراكات مهمة لكن يظل تحقيق الأمن الذاتي هو الأساس الذي يعني ضبط التفاعلات الإقليمية من منظور الندية والقدرة على ممارسة الردع في مواجهة أي مغامرات غير محسوبة قد تستهدف المصالح الحيوية سواء للمملكة أو لدول الخليج العربي عمومًا والتي بالفعل لديها تفوق نوعي في سلاح الطيران مقارنة بإيران وفقًا لتقارير عديدة في هذا الشأن.

ومع أهمية تلك الخطوات باعتقادي أنه يتعين العمل على ثلاثة مسارات متوازية الأول: ضرورة تكامل الخطط السعودية مع نظيراتها من دول الخليج التي تعمل في الاتجاه ذاته ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة التي أعلنت في عام 2017 خطة لإعادة هيكلة قواتها الجوية من خلال تقييم المخاطر وتحديد الاحتياجات، الثاني: تنويع الشراكات الدولية للمملكة والتي تضطلع بدور مهم في ضبط تفاعلات الأمن الإقليمي ما جعلها محلاً للتنافس من جانب القوى الكبرى في العالم، والثالث: إمكانية الاستفادة من تجارب الدول والمنظمات الدفاعية في العالم ومنها حلف شمال الأطلسي «الناتو» والذي يصدر ما يعرف «بالمفهوم الاستراتيجي» كل عشر سنوات وهو بمثابة مراجعة لبيئة التهديدات وتحديد آليات شاملة ومرنة للتعامل معها في الوقت ذاته.

 ومجمل ما سبق أن إنشاء مركز للحرب الجوية يتجاوز كونه تطويرًا لأداء القوات الجوية السعودية ليؤكد جاهزية المملكة لمواجهة أي مخاطر تهدد أمنها القومي حاليًا أو مستقبلاً. 

 

* مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news