العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٤ - الاثنين ١٨ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤١هـ

دراسات

 تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى يكشف:
كيف سيطر «الحرس الثوري» على قطاعات الدولة الحيوية في إيران؟

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٢٣ مارس ٢٠١٩ - 01:15

الحرس الثوري هو أداة النظام الإيراني للحفاظ على بقاء الجمهورية الإسلامية


تُعد السمة المتأصلة في إيران هي عدم الاستقرار، فقد واجهت منذ ثورة 1979، العديد من التهديدات الداخلية الناجمة عن الهشاشة الاقتصادية للدولة، وعدم وجود شرعية حكومية قوية وتهديدات خارجية، مثل المنافسة مع خصوم إقليميين أقوياء، آخرها مواجهتها لتهديدات متصاعدة، نتيجة العقوبات الأمريكية، والعزلة السياسية والدبلوماسية الدولية، والمعارضة الشعبية، التي نشأت نتيجة لكل هذه العوامل. 

وبناءً على ذلك، يرى بعض المحللين أن بقاء النظام الإيراني يواجه خطرًا متصاعدًا. وفي هذا الإطار؛ صدر تقرير عن «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، يوم 26/2/2019، بعنوان، «المرشد الأعلى والحرس.. العلاقات المدنية العسكرية وبقاء النظام في إيران»، أعده «سعيد جولكار»، بهدف تحليل العلاقات العسكرية المدنية في طهران، مركزا بشكل خاص على الحرس الثوري، الذي نما منذ تأسيسه عام 1979، ليكون بمثابة أداة النظام للحفاظ على بقائه. ومع وجود أزمة «خلافة» محتملة، يبحث التقرير إلى أي مدى يمكن توقع حدوث عزل أو مساعدة في إسقاط النظام على يد هذه القوات. 

وتعتمد إيران بشكل متزايد على آلياتها الأمنية والقمعية، وفي مقدمتها الحرس الثوري وقوات المليشيات المدنية، المعروفة باسم «الباسيج»، للتصدي للتهديدات المتزايدة التي تواجهها. وتعد هذه الآليات بالنسبة إلى «جولكار»، أساسية في دعم النظام في ظل الضغوط الاقتصادية، والاجتماعية والسياسية المتصاعدة، كما تتسم العلاقات المدنية-العسكرية، بالتعقيد؛ بسبب انقسام القوات المُسلحة إلى فصيلين متناحرين في أغلب الأحيان؛ الأول، الجيش الإيراني، أو القوات التقليدية المسؤولة عن حماية الاستقلال والسلامة الإقليمية في البلاد، ويبلغ عددها 130.000 جندي و220.000 مجند في وظائف تتشابه مع وظائف القوات المسلحة في معظم الدول الأُخرى. 

والثاني، الحرس الثوري الذي يخدم أغراضًا أكثر تحديدًا. وكما تقول «محسا روحي»، من «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية»، فإن هدفه هو «حماية النظام من التهديدات الداخلية والخارجية على وجه الخصوص». وعلى الرغم من محدودية التزاماته وعدده، حيث يتكون من 130.000 جندي و50.000 مجند منضمين في الأصل من قوات الباسيج، فإنه يُمول ويُمد بموارد بشكل أفضل من الجيش الإيراني؛ ما يعكس «عقيدة النظام الذي أنشأه لتحصين الدولة من انقلاب القوات المسلحة التقليدية عند اندلاع الثورات». وكانت صحيفة «وورلد نت دايلي» الأمريكية قد ذكرت في وقت سابق أن «الميزانية المخصصة له قد بلغت 3.3 مليارات دولار في عام 2013، وتضاعفت لتصل إلى 6.9 مليارات عام 2017».

وفي السنوات الأخيرة، ومع انتشار التهديدات الداخلية والخارجية، شهتد قوات الحرس توسعًا في التزاماتها بشكل متزايد من مجرد الحفاظ على النظام إلى العمل كقوة عسكرية رئيسية في البلاد، وخاصة منذ غزو أمريكا لأفغانستان والعراق عامي2001-2003، مستخدمة مبدأ «الدفاع المُتقدم» لشن حروب إقليمية عديدة. وشمل هذا، «فيلق القدس» الذي يتولى تنفيذ المهام الخارجية، مثل تقديم الأسلحة والتدريب للجماعات المقربة من إيران مثل المليشيات الشيعية في العراق، وحزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، من خلال تكوينه شبكة علاقات واسعة في هذه البلاد. 

ومع تزايد الاحتجاجات الداخلية والمعارضة للنظام بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، تطور ليُصبح الأداة الرئيسية للدولة لقمع المعارضة والتصدي لها، كما يتضح من العمليات الاستخباراتية التي استهدفت الحركة الخضراء التي أُنشئت عام 2009، والاحتجاجات التي اندلعت مؤخرًا عامي 2017-2018. فيما يعتقد على نطاق واسع احتفاظه بعناصر في السفارات الإيرانية عبر العالم، لتنفيذ العمليات الاستخباراتية، وإقامة معسكرات التدريب، وتقديم الدعم لحلفاء إيران في الخارج.

وكما يوضح «جولكار»، فإن تنويع دوره بهذه الطريقة، وأهميته المحورية في استقرار النظام، أدت إلى تراجع شرعيته الشعبية بصورة كبيرة بين معظم الإيرانيين، الذين يعتبرون الجيش الإيراني، القوة الوطنية المعنية بخدمة البلاد بأكملها، بينما قوات الحرس فهي لخدمة النظام ورجال الدين». وتضاعف هذا الاعتقاد من خلال توسعه خارج نطاق صلاحياته العسكرية والتغلغل في المجتمع والاقتصاد الوطني. إذ ينبع تأثيره المجتمعي من التوعية الثقافية والدينية التي يستخدمها لدعم الخصائص الثورية للدولة مع تعمق تدخله في الاقتصاد. وفي هذا الصدد يؤكد «أحمد مجيدار»، من «معهد أبحاث الشرق الأوسط»، أنه «لم يتطور إلى أقوى قوة عسكرية إيرانية فحسب، بل هيمن أيضًا على القطاعات الاقتصادية الرئيسية في البلاد مثل الطاقة، والبناء، والاتصالات، والإعلام والتعدين، والإلكترونيات، والسيارات والخدمات المصرفية وغير ذلك».

ومع تشعبه، ليحظى بكل خصائص ومميزات «الدولة العميقة» من خلال خدمته لمصالح النظام، نال ثقة أعلى المستويات السياسية، «المُرشد الأعلى». وفي الوقت الحاضر، جنبت هذه القوات الدولة تحديات عدة. وكما يقول «جولكار»، فإنه يعد «أهم مؤسسة لضمان بقاء الجمهورية الإسلامية»، وهو ما يتوافق مع رأي «أحمد هاشم»، من «مجلس سياسات الشرق الأوسط»، بأنه «على الرغم من عدم تعرض إيران لانقلابات عسكرية خلال تاريخها الحديث، تستدعي تدخل قوات الحرس، فإن الجيش الإيراني لا يزال يشكل قوة لا يُستهان بها على المشهد السياسي والاقتصاد الاجتماعي»، مضيفًا، أن «ما يمكنه تحديد ملامح العلاقات المدنية - العسكرية في دول العالم الثالث، هو القوة العسكرية التي تفرض سيطرتها على الحكومة، والتي بإمكانها ممارسة نفوذ كبير على الساحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من دون أن تحكم تلك القوة أيا كانت الدولة بشكل مُباشر».

 ومع ذلك، فإن اكتساب الحرس الثوري القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية الكبيرة، بهذا الشكل مع درجة من الاستقلالية؛ يجعله يُمثل تهديدًا على الدولة، إذا ما قرر استخدام تلك القوة مستقبلا للانقلاب على المُرشد إذا أصبح عقبة أمامه، وهو ما شهده عدد من الأنظمة في الشرق الأوسط، عندما ظهر قائد جديد، أو برزت تحديات متزايدة لوضع القائد الحالي. ولعل وجود كيانات مماثلة لقوات الحرس هي سمة في تلك الدول. وقد أظهرت احتجاجات ما سُمي الربيع العربي عام 2011 على سبيل المثال هذا الأمر. 

ويقدم هذا السيناريو نموذجًا يمكن أن نستند إليه، كما يقول «جولكار»، في التنبؤ بوضع استقرار إيران خلال السنوات القادمة. وفي حالة حدوث احتجاجات واسعة النطاق أو ظهور قائد جديد لا يحظى بدعم الحرس، فمن المنطقي أن يتمكن العسكريون من المساعدة في الإطاحة به، أو حتى مجرد إعلانهم الحياد. وفي الحالتين، ستُهزم القيادة. وفي المقابل -وكما في الحالة السورية- يُمكن أن يظل الحرس الثوري مخلصًا للقائد الذي من المُرجح أن يضمن بقاء النظام. 

ويُخلص المؤلف إلى أن السيناريو الأخير هو الأكثر احتمالا، حيث سيبقى الحرس على ولائه لـ«خامنئي»، وفي الغالب، من سيخلفه مستقبلًا. وذلك لسببين، الأول، مراقبته المكثفة لسحق أي مُعارضة مُحتملة. والثاني، ولاء عناصره بشكل كبير، حيث يتم استخدام «التلقين العقائدي» لخلق تقارب أيديولوجي وديني متشدد يدين بالولاء للنظام. وقد بدأت تلك العملية بعد نهاية الحرب العراقية الإيرانية، وجرى استبدال جميع أفراده ممن اعتبروا غير متدينين أو متحفظين بمليشيات «الباسيج» التي تتصف بالتتشدد والأيديولوجية عقب عملية تدقيق صارمة. وفي السنوات الأخيرة، برز الأمر عبر إنشاء شبكة من الفرق التعليمية والدعائية، تعمل على صياغة المُعتقدات العقائدية والمذهبية للمُجندين الجدد، مثل مكتب «الشؤون العامة والنشر»، ومكتب «الإشراف وتأكيد الكفاءة الأيديولوجية»، ومركز «الدراسات الإسلامية». ولضمان الولاء بشكل أكبر، يكافئ الأفراد الذين يثبت ارتباطهم بالنظام ومبادئه، كما أن «أولئك الذين يظهرون في مسيرات مؤيدة للنظام، لديهم فرصة أكبر للترقي بشكل أسرع، حتى من دون المرور عبر القنوات المعتادة، بعكس أقرانهم ممن لا يقومون بذلك». 

ويظل واضحًا، أنه من السهل استشعار أي من حالات عدم الرضا عن النخب الدينية والسياسية من خلال منظمة استخبارات الحرس الثوري، والمعنية بمواجهة أي موجات معارضة. وكما يوضح «جولكار»، فإن «خامنئي»، بتشكيله مؤسسات تفرض هيمنتها على البيئة الاستخباراتية والسياسية والأيديولوجية ذاتها، وجمعه بين آليتي «الإكراه والتلقين العقائدي»، فإنه بذلك يحكم قبضته على الحكم برمته، ليستنتج أن قوات الحرس الثوري ستظل موالية للنظام، وحصنا ضد أي انتفاضات أو احتجاجات محتملة ربما تهدد بقاءه. 

ومع ذلك، وعلى الرغم من نجاح «جولكار» في إيجاز نقطة التحول الجذري في العلاقات العسكرية–المدنية الإيرانية، التي صبت في صالح الحرس الثوري؛ فإن هناك إخفاقا تحليليا قد يقلل من افتراضاته المتعلقة بقوة النظام الحاكم ومدى استمرار ولاء الحرس له. وقد بدا جليًا أن التقرير استند في مسألة استمرار الولاء للنظام إلى ما حدث أثناء احتجاجات عام 2011 في سوريا؛ حيث بات ولاء الجيش برمته للنظام بقيادة «الأسد»، وهو ما عزز بقاءه في وجه المعارضة المسلحة. وعليه، توقع التقرير حدوث نفس السيناريو بالنسبة الى الحرس وتأييد بقائه للنظام. ولكن ما تم إغفاله هو أن سوريا تلقت مساعدات خارجية اقتصادية وعسكرية من قبل إيران وروسيا على حد سواء. 

أما في حالة إيران، فإنه من المشكوك فيه أن تكون هناك قوى خارجية تمنع حدوث تغيير بالنظام الراهن، في حين أن تلك القوى كانت عنصرًا رئيسًيا في تعزيز قوة الجيش السوري. وعند الوضع في الاعتبار، الانعزالية التي تعاني منها إيران دوليًا في ظل وجود منافسين غير راغبين في تقديم مساعدة لها، في حال تعرضها لأزمة سياسية، مثل الصين أو دول أخرى ليس لديها حتى الإمكانات لأداء هذا الدور، مثل فنزويلا، كوبا، وكوريا الشمالية. وبينما يمكن الجزم بأنه من المرجح أن تكون «موسكو» الطرف القادر على فعل ذلك، لكن بالنظر إلى ما تواجهه من ضغوط على خلفية تورطها في الحرب السورية، فإنه من غير المرجح أن يتم تكرار السيناريو ذاته بالنسبة الى إيران.

 وفي النهاية، يصبح من الخطأ الجزم بولاء الحرس الثوري وقدرته على ضمان بقاء النظام الحاكم وسط احتمالات اندلاع احتجاجات شعبية أو تمرد مسلح أو تهديدات مستقبلية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news